خطورة الأسلحة الذرية أوجبت إنشاء قواعد ونظام لانتشارها. خطورة هذه الأسلحة تتعدى الدولة المستهدفة، ونتائجها كارثية على البيئة، مثل تكوّن سحابة نووية تحجب ضوء الشمس عن مناطق جغرافية، إضافة إلى الإشعاعات التي ممكن أن تنتشر عبر
الحدود، فكان لزاماً حوكمة القوة النووية وانتقال تكنولوجيتها.
فطنت إدارة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور إلى القضايا المتعلقة بالقدرات النووية، وإمكانية الوصول إليها من قبل دول العالم. حينها استحدثت إدارة أيزنهاور برنامج الذرة من أجل السلام.
بالنسبة لأيزنهاور كان هاجس انتشار الأسلحة النووية مصدر قلق، مع اتساع انتشار التكنولوجيا النووية. وكانت الترسانة السوفييتية تمثل تخوفاً بالنسبة لواشنطن.
ومع دعوات الولايات المتحدة لبرنامج الذرة من أجل السلام، أفاضت الأخيرة في تطوير ترسانتها النووية.
وقد نمت القدرة النووية من 1000 إلى 20,000 سلاح نووي.
ألقى أيزنهاور في عام 1953 خطاباً شهيراً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قدم فيه رؤيته في قضية الذرة من أجل السلام، كجزء من الاستراتيجية لاحتواء قضية الانتشار النووي، قال فيه:
«تتعهد الولايات المتحدة أمامكم - وبالتالي أمام العالم - بأن تكرس كل طاقتها وعقلها للمساهمة في حل هذه المعضلة الذرية الرهيبة، ولإيجاد السبيل الذي لا تُسخر فيه عبقرية الإنسان المذهلة لموته، بل تُكرس لحياته».
وفعلاً، قدمت الولايات المتحدة دعمها لبرامج نووية سلمية ويورانيوم مخصب لمراكز بحث داخل الولايات المتحدة، ولعدة دول في العالم. والمفارقة أنها قدمت هذا الدعم إلى باكستان وإسرائيل، واللتانِ حولتا برنامجهما إلى التسلح لاحقاً.
كان هذا البرنامج أول إرهاصات اتفاقية عدم الانتشار النووي، والتي عرفت اختصاراً بالإنجليزية «إن پي تي». أعلنت عن هذه الاتفاقية الخاصة بمنع انتشار الأسلحة النووية في عام 1968. اعترفت الاتفاقية بخمس دول نووية، والتي اختبرت سلاحاً نووياً قبل عام 1967، وهي الولايات المتحدة الاتحاد السوفييتي وفرنسا وبريطانيا والصين.
وكان التوقع أن يصل عدد الدول النووية إلى عشرين دولة مع مرور الوقت. إلا أن الواقع أفضى إلى الدول الخمس النووية الرسمية. ودخلت أربع دول جديدة النادي النووي، وهي: إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية.
قامت الاتفاقية على صفقة متبادلة بين الدول النووية والدول غير النووية. الصفقة هي أن الدول غير النووية تمتنع عن السعي للحصول على أسلحة نووية إلى الأبد، وفي نفس الوقت، تساعد الدول النووية على تقديم كل العون للدول غير النووية، للحصول على التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية. إضافة إلى تعهد الدول النووية للتخلص من ترساناتها النووية بالكامل.
وانضمت عدة دول إلى الاتفاقية، حتى وصل عددها 190 دولة. وبعد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في 1970، جددت الاتفاقية كل خمسة سنوات، إلى عام 1995، حين وافق الأعضاء بالإجماع على تجديد أبدي للاتفاقية. يومها تخلل المفاوضات النهائية للاتفاقية مشادة بين الولايات المتحدة وبعض الدول العربية، على خلفية الأسلحة النووية الإسرائيلية، حين أصرت بعض الدول العربية على وجوب إدخال إسرائيل في الاتفاقية، وخضوع منشآتها للرقابة الدولية، واستطاعت واشنطن أن تتخطى المعارضة العربية، ووقعت الاتفاقية.
لا شك أن حوكمة التكنولوجيا النووية ضرورية لبقاء الحياة على وجه البسيطة. فمع زيادة كل أنواع الاسلحة النووية، على المجتمع الدولي الحد من التسلح النووي، وعلى الدول النووية حسر زيادة أسلحتها النووية، إلى أن تتخلص من هذه الأسلحة البغيضة.
الأدهى والأمرّ أن كل الدول النووية، مستعدة أن تستخدم الأسلحة النووية، وإذا تجاوزت الدول النووية هذه العتبة باستخدام النووي كسلاح، فعلى العالم السلام. وكما قال شاعر اليمن عبدالله البردوني:
فظيعٌ جهل ما يجري
وأفظعُ منه أن تَدري