في عالم يُعاد تشكيله سياسياً واقتصادياً؛ برزت دول تنتظر ما سيحدث، وأخرى تقرر كيف سيحدث. وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، لا تكون القرارات الكبرى ردود أفعال، بل إعادة رسم للمشهد بأكمله.
في أواخر السبعينيات، اتخذت الصين قراراً غيّر مسارها الاقتصادي بالكامل. لم تستأذن أحداً، ولم تنتظر توافقاً دولياً، لتنتقل من اقتصاد مغلق إلى آخر منفتح على العالم، فيما عُرف حينها بسياسة "الإصلاح والانفتاح". لم يكن ذلك القرار خروجاً من النظام العالمي، بل انتقالاً إلى موقع جديد، موقع الفاعل لا التابع.
واليوم، مع إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة خروجها من منظمة "أوبك" و"أوبك+"، فإنها تتحرك في السياق ذاته، وتعيد تعريف دورها، ليس كدولة تغادر إطاراً، بل كدولة تعيد صياغة موقعها في معادلة الطاقة العالمية.
المعضلة، أنه في عالم يميل إلى التفسير السريع، سارع البعض إلى قراءة القرار الإماراتي باعتباره خطوة مفاجئة أو حتى مخاطرة. لكن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أساسية، أن دولة الإمارات لا تتحرك بردود أفعال، وإنما وفق استراتيجيات ممتدة لعقود. وهي حقيقة أثبتتها الوقائع مراراً بما لا يدع مجالاً للشك.
فلو عدنا قليلاً إلى نوفمبر 2025 حين رفعت الإمارات احتياطياتها النفطية إلى نحو 120 مليار برميل، واحتياطيات الغاز إلى قرابة 297 تريليون قدم مكعبة، لم تكن تبني أرقاماً فقط، بل كانت تبني هامش قرار، لتبدأ التحرر من قيود لم تعد تتناسب مع مرحلة جديدة من القدرات والطموحات الإماراتية.
على مدى عقود، التزمت الإمارات بسقف الإنتاج ضمن منظومة "أوبك"، وأسهمت في استقرار الأسواق العالمية، وأثبتت أنها شريك موثوق ومسؤول.
لكن الأسواق تغيّرت اليوم.
وفي أسواق الطاقة، من يملك القرار، يملك التأثير. ووفق المفاهيم الاقتصادية، مع ارتفاع الطلب العالمي، وتغير مراكز الاستهلاك، تصبح سرعة الاستجابة عاملاً حاسماً للدول، وهو ما يتطلب مرونة لا توفرها دائماً الأطر الجماعية التقليدية. فمعادلة النفط لم تعد تُدار عبر الحصص فقط، وإنما عبر سرعة التحرك، ومرونة الإنتاج، والقدرة على قراءة اتجاهات السوق. وهنا تحديداً، يصبح القرار السيادي ضرورة، لا خياراً.
المؤكد والثابت، أن نماذج العمل التقليدية لم تعد قادرة على مواكبة عالم يتغير بسرعة كبيرة، والاقتصادات الجامدة لم تعد صالحة في عالم متحرك. وهذه الحقيقة ربما تمثل فرصة أمام الدول الأخرى لإعادة تقييم موقعها داخل المنظومات التقليدية، ليس بهدف الانسحاب، بل بهدف إعادة التموضع.
ما يميز القرار الإماراتي أنه لا يأتي في لحظة ضعف، بل في ذروة قوة، وسط احتياطيات قياسية، وبنية تحتية متقدمة، واستثمارات متسارعة في الطاقة التقليدية والمتجددة، وجميع هذه النقاط تستند إلى رؤية قيادية واضحة للمستقبل.
نعم، حلّقت الإمارات خارج "أوبك"، لكنها لم تخرج من المعادلة، بل أعادت كتابة موقعها فيها. وفي عالم يُعاد تشكيله، لا يكفي أن تكون جزءاً من المشهد؛ بل أن تملك القدرة على تغييره.