عرفه الجمهور باسم الدكتور شديد.. الرجل الأبله شارد الذهن الذي لا يفعل شيئاً سوى ترديد عبارات بلهاء مثل: «يارب يا خويا يارب»، و«ماله يا خويا وماله».
لكن شخصيته الحقيقية خلاف ذلك، إذ يعتبر الفنان محمد فرحات عمر (وهذا اسمه الحقيقي) رجلاً مثقفاً ذا عقل منظم وتاريخ حافل بالنجاح في المهنة التي بدأ بها مشوار حياته العملية وهي تدريس الفلسفة، ومالك مكتبة عامرة بالمؤلفات وصاحب ولع بلعبة الشطرنج وكتابة المقال السياسي.
ولد بالقاهرة في أغسطس 1931. وفي عام 1954 حاز على ليسانس الآداب ــ قسم الفلسفة من جامعة القاهرة، كما نال درجتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة من الجامعة نفسها في الستينيات. وكان ممن تتلمذ على يد الفيلسوف والمفكر المعروف الدكتور زكي نجيب محمود، بل من الذين ناقش الأخير أطروحاتهم. تقول ابنته أمنية، في حوار صحفي، أن جدها الأكبر (عمر) جاء إلى مصر مع جيش إبراهيم باشا، وكان متزوجاً من امرأة تركية لا تنجب أطفالاً، فلما حل بمصر تزوج من امرأة من الدقهلية تصغره بسنوات، فأنجبت له ولدين هما فرحات وإسماعيل، وتضيف أن جدها المباشر (فرحات) كان مهندساً للآثار، وأن جدتها كانت معلمة، وأنه حينما توفي جدها كان والدها في سن الثانية فقامت أمه بتربيته تربية صارمة وأنفقت عليه كي يحصل على أفضل تعليم.
أراد فناننا بعد إتمامه الثانوية أن يلتحق بمعهد التمثيل، لكن الفنان حسين رياض نصحه باستكمال دراسته الجامعية أولاً، فاستجاب للنصيحة والتحق بكلية الآداب التي وجد فيها مجالاً لإشباع غرامه بالتمثيل من خلال الانضمام إلى فرقة التمثيل بالجامعة التي كان يدربها الفنان زكي طليمات. وأثناء وجوده على مقاعد الدراسة الجامعية، قدر له أن يشارك بدور «أمشير» في مسرحية «30 يوم في السجن» على مسرح الريحاني، فكان أداؤه الرائع سبباً في حصوله على كأس يوسف وهبي للمسرح على مستوى الجامعات.
بعد ذلك التحق بفرقة «ساعة لقلبك» الإذاعية، مشاركاً الخواجة بيجو وأبولمعة والمعلم شكل، ومحققاً نجاحاً كبيراً تجلى في قيامهم بتقديم مسرحيات كوميدية من فصل واحد على مسرح الأزبكية ومسارح الإسكندرية في الخمسينيات.
وأخبرتنا ابنته أمنية في الحوار نفسه عن قصة شخصية الدكتور شديد، فقالت إن عبدالفتاح السيد مؤلف اسكتشات فرقة ساعة لقلبك هو مبتكر شخصية «الدكتور شديد»، الطبيب البيطري دائم النسيان الذي يتردد كل يوم على المطعم ويسأل الجرسون قائلاً: «قولي يا ابني هوّ أنا اتعشيت ولا لسه؟».
تعلق الجمهور كثيراً بهذه الشخصية الظريفة ذات التركيبة الغريبة واللغة المميزة، وظل يردد أفيهاتها المبتكرة، الأمر الذي شجع المخرجين على طلبه للمشاركة في أفلامهم. وقد حقق له ظهوره في بعض الأفلام السينمائية، ولا سيما أفلام إسماعيل يس، نجاحاً مضاعفاً، لكن من جهة أخرى فإن حبسه في شخصية الدكتور شديد حرمه من إظهار كل مواهبه وإمكاناته الفنية، لذا قيل إنه من النماذج المظلومة سينمائياً، بل من الذين لم يُكرموا، لا في حياتهم ولا بعد مماتهم.
في عام 1968 قرر، وسط مشاعر اليأس والإحباط التي سادت مصر على وقع هزيمة حزيران 1967، أن يغادر وطنه إلى بريطانيا، حيث بقي هناك ما بين عامي 1968 و1977 يعمل بالقسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية في وظيفة النقد والتعليق على الأفلام والمسرحيات العربية.
وحينما عاد إلى مصر في السبعينيات شارك في عدد من المسلسلات التلفزيونية. بعد ذلك غاب مرة أخرى ليعود في عام 1996 ويشارك مجدداً في بعض الأعمال، منها فوازير رمضان (غلطة في صورة)، ومسرحية «كرنب زبادي» التي شارك في أربع بروفات منها فقط ولم يكملها بسبب وفاته في يوليو 1997. إذ رحل وحيداً داخل بنسيون في الزمالك اختاره للإقامة بمفرده، كي يكون قريباً من فندق ماريوت الذي كان يحب الجلوس في مقهاه للتأمل واحتساء القهوة.
