احذروا.. سأطلق الوحش!

عندما صرخ القيصر ألكسندر الأول غاضباً في مؤتمر فيينا سنة 1814: «احذروا.. سأطلق الوحش»، بعد أن حرمه المُؤتمِرون من قطعة من بولندا، لم تكن تلك لحظة انفعال عابرة، بل انكشافاً مبكراً لطبيعة السياسة حين تختلط الأيديولوجيا بالخوف، وحين يتحول الشخص إلى رمز، والرمز إلى سلاح، والسلاح إلى ذريعة لإعادة ترتيب العالم، كان الوحش هو نابليون -المنفي وقتها إلى جزيرة إلبا- مثقلاً بوصمة الذل ومُطوقاً بذاكرة إمبراطورية انتهت إلى الإفلاس، لكن التهديد بإطلاقه كان جزءاً من لعبة أعمق، ليس لإعادته إلى المجد، بل لاستدراجه إلى عودةٍ أخيرة تستهلك أسطورته وتمنح أوروبا الذريعة الكاملة لإغلاق بابه إلى الأبد.

في ذلك الوقت، لم تكن فيينا تبحث عن تسوية بقدر ما كانت تصوغ أيديولوجية «التوازن» كبديل عن اندفاع الفتح النابليوني، إذ لم يكن الخلاف بين الملوك والوزراء على الخرائط وحدها، بل على معنى الشرعية بعد الإرث الذي تركته الثورة الفرنسية، ذلك الإرث الذي زعزع تعريف السلطة، وفتح الباب أمام سؤال لم يكن سياسياً فقط، بل فلسفياً أيضاً: من يملك حق الحكم؟ ومن يملك حق تعريف الخطر؟ ومن يملك أن ينزع عن رجلٍ صفة الإمبراطور، ثم يعيد تقديمه للعالم بوصفه وحشاً ينبغي أن يظهر في اللحظة المناسبة كي يصبح القضاء عليه ضرورة لا خياراً؟

ولعل هذا ترجمة للقانون الثامن للقوة الذي ذكره روبرت غرين في كتابه «كيف تمسك بزمام القوة»، والذي ينص على: «اجعل الآخرين يأتون إليك، واستعمل طُعماً عند الضرورة»، لكن الطُعم في السياسة الرفيعة لا يكون حيلة مكشوفة، بل ترتيباً يُعاد من خلاله توجيه رغبة الخصم حتى يظن أنه يتحرك نحو قدره، لا نحو فخه، فالقوي لا يُساق دائماً من نقطة ضعفه، بل كثيراً ما يُقاد من أعلى صورة يحملها عن نفسه، من وهمه بأنه ما زال أكبر من الزمن، وأسبق من خصومه، وأقدر على تحويل الهزيمة إلى عودة..، وهذا بالضبط كان الطعم المُغري لنابليون..!

وتاليران، الذي عرف نابليون من الداخل، أدرك أن الأسطورة لا تُدفن في منفى قريب، وأن جزيرة إلبا قريبة بما يكفي لتشتعل الذاكرة مرة أخرى، وعلى هامش صراع فيينا، كان وزراء إنجلترا والنمسا وفرنسا يدركون أن بقاء نابليون كذكرى مُعلقة أخطر من عودته المحسوبة، فالأول يترك باب الاحتمال مفتوحاً، أما الثاني فيمنحهم فرصة إغلاقه، وحين هرب نابليون في وضح النهار، وعاد إلى فرنسا إبان هشاشتها وإفلاسها، تحول الرجل الذي فَرق القارة طويلاً إلى الذريعة التي جمعتهم ضده، لم يكتمل زهوه رغم التفاف الجنود القدامى حوله، وسرعان ما أفل نجمه في معركة واترلو، لتنتهي أسطورة «الوحش» في سانت هيلانة، البعيدة بما يكفي كي تُنتزع منه السياسة، ويُترك معزولاً في أطراف النسيان، حيث لا يعود تهديداً، بل ذكرى منفية..!

وهذه القصة ليست درساً عسكرياً بقدر ما هي درس في إدارة الخطر، وفي المشهد السياسي اليوم، يظن بعض الأطراف أن كثرة التصعيد تُوسع النفوذ، وأن نقل التوتر من جبهة إلى أخرى يمنح قدرة أكبر على المناورة، لكن إدارة الخطر تُقاس بنهج الدولة في منعه من التحول إلى فوضى شاملة، وهنا يصبح ضبط النفس فعلاً سيادياً، وتغدو التهدئة المدروسة جوهر القوة لا نقيضها، فحين يندفع طرف إلى توسيع المواجهة ويبالغ في اختبار الحدود، لا يربك خصومه بالضرورة، بل يكشف لهم حدود قدرته وهشاشته وتخبطه، ليضيق على نفسه مساحة الحركة ويحول سلوكه إلى حجة ضده، وإلى مبرر يُعاد من خلاله تشكيل موازين القوى من حوله.

فالوحش اليوم لا يشبه نابليون بالضرورة، ولا يأتي دائماً على هيئة رجل واحد، قد يكون مشروعاً يتضخم أكثر من قدرته، أو خطاباً خاوياً يبالغ في قوته، أو طرفاً يظن أن كثرة التصعيد تكفي لصناعة هيبته، لذلك لا تُقاس حكمة الدول بقدرتها على الصراخ أمام الخطر، بل بقدرتها على فهمه، متى ترد ومتى تنتظر، ومتى تتركه يندفع حتى يكشف حدوده بنفسه، ومن هذه الزاوية، لا يعود السؤال من أطلق الوحش؟ بل من يملك أن يُحول اندفاعه إلى إدانة له، لا إلى تهديد لغيره..!