اليابان تودّع سياستها السلمية

في مقال سابق في الشأن الياباني توقعنا أن تشهد اليابان في ظل قيادة السيدة القوية ساناي تاكائيتشي تغييرات، منها ما سيطال سياساتها الخارجية، ومنها ما سيطرأ على صورتها الدولية السلمية.. وها هي تاكائيتشي، بعد أن عززت سلطتها بتحقيق حزبها الليبرالي الديمقراطي انتصاراً ساحقاً في الانتخابات العامة التي جرت في فبراير الماضي بحصوله على 316 مقعداً من أصل 465 مقعداً من مقاعد مجلس النواب، تقدم على خطوة غير مسبوقة منذ هزيمة بلادها في الحرب العالمية الثانية ورضوخها لأحكام منصوص عليها في الدستور حول تقييد حقها في تصدير السلاح إلى الخارج أو المشاركة في أعمال قتالية خارج الحدود.

في 21 أبريل الجاري، صرح الناطق باسم الحكومة اليابانية، مينورو كيهارا، في مؤتمر صحفي بأن بلاده ستسمح بنقل وتصدير الأسلحة والمعدات والتكنولوجيات الدفاعية ذات المنشأ المحلي، بما فيها المنتجات النهائية. وقد بررت تاكائيتشي القرار في تغريدة كتبتها في حسابها على منصة إكس، بضرورات تعزيز الدفاع الوطني وتعزيز قطاع صناعة الأسلحة المحلي بوصفه محركاً للنمو الاقتصادي.

وهذه الخطوة بطبيعة الحال ستدمج اليابان في سلسلة التوريدات الدفاعية العالمية، وتعزز مكانتها مع شريكاتها وحليفاتها، كما أنها ستعجل وتسهل وترسخ تعاونها الصناعي الحربي مع بريطانيا وإيطاليا، للمرة الأولى في تاريخها بهدف تطوير مقاتلة أسرع من الصوت من الجيل السادس بحلول عام 2035، وذلك في إطار برنامج القتال الجوي العالمي المعروف اختصاراً بـGCAP.

ومن ناحية أخرى، فإن الخطوة ستقلل حتماً من هواجس طوكيو حول بيئة استراتيجية يسودها عدم اليقين، واحتمالات قيام حرب في الجوار بين الصين وتايوان، ومخاوف من التعاون العسكري المضطرد بين موسكو وبكين، وتهديدات النظام الكوري الشمالي.

قوبل القرار بمعارضة من قبل شريحة صغيرة من الرأي العام الياباني، معظمهم من معارضي تاكائيتشي وحزبها، بحجة أنه يشوه ويدمر الصورة السلمية للأمة، فجاءهم الرد من المراقبين والمحللين المؤيدين للحكومة الذين قالوا إنه من حيث المبدأ ستظل اليابان ضد تصدير السلاح إلى الدول المنخرطة في نزاعات دموية، إلا في حالات استثنائية تجيزها ضرورات الأمن القومي.

وأضاف هؤلاء إنه يجب التمييز بين معدات مصنعة كأسلحة تستخدم في القتل والتدمير والإبادة، وأخرى مدرجة في خانة غير خانة الأسلحة مثل السترات الواقية من الرصاص والمناظير الليلية ومنظومات الرادار، فالأولى لن تصدر إلا إلى الدول التي تربطها باليابان معاهدات واتفاقيات صداقة وتعاون مشترك، أما الثانية فهي متاحة أمام جميع الدول.

كما أكدوا أن بقاء الحظر على تصدير السلاح الياباني للخارج لن يستفيد منه سوى الدول المعادية لليابان مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وأعادوا التذكير بأنه لولا قيام اليابان بإنتاج الذخائر والألغام والقذائف وتزويد القوات الأمريكية وقوات الأمم المتحدة بها إبان الحرب الكورية في الخمسينيات لما أمكن التصدي بنجاح لعدوان كوريا الشمالية ضد كوريا الجنوبية والذي كان سيمتد لابتلاع اليابان.

ومما يجدر بنا الإشارة إليه في هذا السياق، أن التمييز المذكور في السطور السابقة حول ما يسمح بتصديره وما لا يسمح، ورد في خطة أعدها رئيس الوزراء الأسبق، شينزو أبي، في عام 2014 واستفادت منه الفلبين بحصولها على منظومة رادار متطورة يابانية المنشأ.

وإذا ما عدنا لصفحات التاريخ نجد أن اللوائح المستمدة من الطابع السلمي لدستور يابان ما بعد الحرب قيدت تحريك المعدات العسكرية إلى خارج البلاد لأغراض القتال، واستثنت الأغراض غير القتالية مثل الإنقاذ والنقل والإنذار والمراقبة وإزالة الألغام.

وفي عام 1967 حظرت طوكيو تصدير ونقل السلاح المنتج محلياً إلى كافة الدول الشيوعية، ولا سيما دول الكتلة السوفييتية، وذلك في وقت كانت تزود فيه حكومة فيتنام الجنوبية بالكثير من المعدات القتالية في حربها ضد قوات فييتكونغ الشيوعية، غير أن حكومة رئيس الوزراء، تاكيو ميكو، أصدرت في عام 1976 قراراً بحظر التصدير إلى كافة دول العالم. وفي عام 2023 سهلت حكومة رئيس الوزراء السابق، فوميو كيشيدا، عملية بيع صواريخ منتجة محلياً بموجب ترخيص أمريكي إلى الولايات المتحدة وهي الصواريخ التي سلمتها الأخيرة لأوكرانيا لاستخدامها ضد الروس.

خارجياً، قوبل القرار الياباني بالامتعاض والقلق والتنديد من قبل بكين.. فالصين تخشى أن يفتح هذا القرار الباب أمام تزويد تايوان بالسلاح الياباني المتطور وآخر التكنولوجيات الحربية. كما تتخوف بكين من أن تزود دول أخرى بينها وبين الصين خلافات مثل أندونيسيا والفلبين والهند وفيتنام بالسلاح الياباني الحديث.. وبالمثل فإن روسيا أيضاً لا بد من أن تكون قلقة خشية قيام تعاون دفاعي بين طوكيو وكييف، وخصوصاً أن الأخيرة حاولت أكثر من مرة منذ عام 2022 الحصول على السلاح الياباني.