جرت العادة بين الناس على وصف الإنسان الذي يجد نفسه بين خيارين سيئين، أو بين خيارين أحدهما أسوأ من الآخر، بأنه إنسان واقع بين المطرقة والسندان. أما السندان فهو قاعدة حديدية توضع فوقها قطعة من المعدن يراد تشكيلها على صورة جديدة، وأما المطرقة فهي التي تهوي على قطعة المعدن لتشكيلها، وإذا كان الحال كذلك، فإن قطعة المعدن لا خيار أمامها ولا اختيار.
وبالطبع فإن ما يقال عن خامة الحديد بين المطرقة والسندان يقال هو نفسه عن الإنسان، أو كما يقال عن فلان من الناس إنه كالمستجير من الرمضاء بالنار، فالرمضاء هي حصى الأرض شديد الحرارة، والنار ليست في حاجة إلى تعريف، ولك أن تتصور شخصاً يهرب من الحصى شديد الحرارة ليسقط في النار.
هذه مقدمة طالت بعض الشيء، لكنها ضرورية للإشارة إلى مدى ما تجد القارة الأوروبية أنها واقعة فيه، وهي تواجه هجوماً حاداً عليها، ليس فقط من جانب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإنما كذلك من حكومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
لقد اعتاد الأوروبيون الهجوم الأمريكي عليهم منذ أن عاد ترامب إلى البيت الأبيض في الـ20 من يناير قبل الماضي. لم يكن ترامب هكذا مع الأوروبيين خلال فترة رئاسته الأولى قط، ولكن هذه قصة أخرى طبعاً، وإنْ كانت تدل فيما تدل على أن ما يقوله الرئيس الأمريكي عن أوروبا كلما تكلم عنها ليس توجهاً شخصياً يتعلق به كفرد، وإنما هو سياسة أمريكية تتصل بإدارته في عمومها على الأقل أكثر منها توجهاً ذاتياً منه كشخص. وسوف نتبين مدى صوابه هذا من عدمه عندما تنقضي السنوات الثلاث المتبقية من حكم ترامب، لنرى وقتها ما إذا كانت هذه السياسة الأمريكية المصطدمة بالأوروبيين ستستمر بعد هذه الإدارة، أم أنها مرتبطة بإدارة ترامب وجوداً وعدماً؟
سوف نرى، ولكن الجديد هو الهجوم الروسي على الأوروبيين من جانب ديمتري ميدفيديف، رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، الذي خرج يقول إن الحرب الأمريكية الإيرانية التي كانت قد اشتعلت في آخر فبراير، إلى أن توقفت في الثامن من هذا الشهر، أثبتت أن القارة العجوز لا تكاد تساوي شيئاً بمقاييس القوة الحقيقية في هذا العصر، ولا تكاد تجد ما تؤثر به في مجرى الأحداث وقت الحرب وبعدها، وأنها ليست قارة قوية كما قد تتصور، وأن قضية الهجرة تؤرقها لأبعد مدى، وأن اقتصاداتها في تراجع، وأن.. وأن.. إلى آخر ما قاله ميدفيديف الذي كان رئيساً لروسيا ذات يوم.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يفتح فيها الرئيس الروسي السابق نار الهجوم بهذه الحدة على الأوروبيين الذين هم على جوار مباشر مع الروس، فمن قبل كان قد هاجمهم مراراً، ولكن هجومه هذه المرة يأتي وكأنه ينكأ الجرح الأوروبي، أو كأنه يرش الملح على الجرح الذي يؤلم كل أوروبي يطالع ما يقال عن بلاده أو عن قارته الواسعة.
كان كمن ينكأ جرحاً قديماً، أو يرش عليه الملح، لأن ترامب سبق ميدفيديف إلى فتح النار على الأوروبيين في القضية ذاتها، وهو لم يفتح عليهم النار مرة ولا مرتين، لكنه هاجمهم كثيراً ولا يزال، ولذلك فالأوروبيون يشعرون بالحرج كلما جاءت سيرة للحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران التي لم تضع أوزارها إلا بعد أن دامت ما يقرب من الشهر ونصف الشهر، واشتهرت ولا تزال بحرب الأربعين يوماً.
لا يكتفي الرئيس الروسي السابق بذلك، وإنما يذهب إلى حد القول إن الأوروبيين مدعوون إلى تنحية الإمكانات الأمريكية جانباً، إذا رغبوا في تقييم قوتهم تقييماً موضوعياً، فالأمريكيون في تقديره يمنحون أوروبا الكثير من أسباب القوة، وبغير هذه الأسباب لا يستطيع الأوروبيون الصمود إذا وجدوا أنفسهم أمام اختبار حقيقي.
كان ميدفيديف قد هاجم أوروبا بضراوة من قبل، ولم يجد حرجاً في التلويح بالسلاح النووي عندما ضاقت موسكو بالمساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا في حربها مع روسيا، وكانت الحرب الروسية الأوكرانية ولا تزال نقطة الخلاف الأكبر بين بروكسل، حيث يقع مقر الاتحاد، وبين الكرملين في موسكو.
ولأن أوروبا تقع بين المحيط الأطلسي غرباً، حيث تقع الولايات المتحدة على شاطئه الشرقي في المقابل، وبين حدودها مع روسيا في الجهة الأخرى، فإن القارة تجد نفسها بعد هجوم ميدفيديف ومن قبله هجوم ترامب، وكأنها في موقف الواقع بين المطرقة والسندان. ولا بدّ أن ذلك كله سيدفعها إلى أن تراجع مستقبل علاقتها في الاتجاهين، وسوف يجعلها تنظر إلى العلاقة مع موسكو وواشنطن معاً بعيون لم تكن تنظر بها إليهما من قبل.