الخاسر الأكبر من سقوط أوربان

هل يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الخاسر الأكبر من السقوط الانتخابي المدوي لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، يوم الأحد الماضي، أم أن الخسارة ستكون لكل أحزاب اليمين القومي المتطرف في القارة الأوروبية والعالم أجمع؟!

يصعب تقديم إجابة حاسمة عن كل أجزاء هذا السؤال، لكن المؤكد أن ترامب هو الخاسر الأكبر، والسؤال هو لماذا؟

قبل الانتخابات المجرية بأيام قليلة، أرسل ترامب نائبه جي دي فانس، في زيارة خاصة إلى بودابست، لينقل الدعم الأمريكي الكامل لأوربان. اختيار فانس ليس مصادفة، فهو شديد الإعجاب بالأحزاب اليمينية المتطرفة، ودائم الانتقاد للحكومات الوسطية أو التقدمية، ولا يمكن نسيان خطابه في منتدى ميونخ للأمن في 14 فبراير عام 2025، بعد أيام قليلة من عودة ترامب للبيت الأبيض، يومها فاجأ دي فانس الأوروبيين بقوله: «ما يقلقني أكثر في أوروبا، ليس الصين أو روسيا، بل هو تهديد من الداخل، وتراجع أوروبا عن قيمها الأساسية، وعن حرية التعبير».

ما قصده دي فانس يومها، أن تسمح الحكومات الأوروبية التقليدية لأحزاب اليمين المتطرف أن تأخذ حريتها حتى تحقق الفوز.

يومها رد عليه العديد من المسؤولين الألمان والأوروبيين، وقالوا له إن انتقاداته غير مقبولة.

ترامب داعم كبير لكل الحكومات والأحزاب والقوى اليمينية، وبالتالي، كان أوربان يحتل مكانة كبيرة لديه، باعتباره استمر في حكم المجر لمدة 16 عاماً، وكان شوكة في ظهر أوروبا، وهو المقرب جداً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعطل الإجماع الأوروبي ضد دعم أوكرانيا.

ترامب كان يراهن على موجة صعود للأحزاب اليمينية في أوروبا والعالم، وبوتين كان مستفيداً من هذا الصعود، ليس تماهياً مع هذه الموجة، بل لأن هذه الأحزاب تكسر الإجماع الأوروبي على معادة روسيا، خصوصاً في حربها ضد أوكرانيا، وخصوصاً بعد مواقف ترامب المؤيدة إلى حد كبير لموسكو على حساب بروكسل.

من أجل كل ذلك، فإن أوربان كان حليفاً مهماً لبوتين، ولترامب.

سقوط أوربان وحزبه فيدس بصورة غير متوقعة، وحصوله على 37.7 % فقط من أصوات الناخبين، مقابل 53.7 % لحزب نتسا بقيادة بيترماجيار، مثّل خبراً مؤلماً لترامب، ولكل دعاة صعود اليمين القومي، خصوصاً أن نسبة المشاركة في الانتخابات كانت قياسية، وبلغت 79 %، وهو ما يعني أن النتيجة تمثل تصويتاً واضحاً بأن المجريين صوتوا بنعم لأوروبا، ولا لترامب وبوتين.

حينما زار فانس بودابست، وصف أوربان بأنه نموذج لأوروبا، وبالطبع، فهو كان يقصد أوروبا التي يريدها ويتمناها. وخلال وجوده في تجمّع انتخابي مع أوربان في ملعب رياضي في بودابست، اتصل بترامب وفتح الميكروفون، وقال ترامب مخاطباً رئيس الوزراء المجري «أحب أداءك يا فيكتور».

قبل زيارة فانس، فإن ماركو روبيو وزير الخارجية زار بودابست، وقدم الدعم لأوربان، وانتقد ما أسماه التدخل الفج والعلني غير المسبوق لأجهزة استخبارات أجنبية في العملية الانتخابية في المجر!! وهو الأمر الذي استغربه المراقبون، لأن روبيو وإدارته يتدخلون أيضاً!!

فترامب، ومنذ عودته للبيت الأبيض، كسر تقليداً أمريكياً بعدم التدخل العلني في الانتخابات بالخارج.

هو دعم بالأساس أوربان، الذي كان ضيفاً مرحّباً به دائماً في منتجع ترامب في فلوريدا، ثم دعم كل الحكومات التي تتماهى مع أفكاره وسياساته وأولوياته.

إذا المؤكد أن سقوط أوربان هو ضربة موجعة لترامب، الذي كان يعتقد أنه قادر على توجيه الرأي العام في أي دولة، وهو ضربة موجعة أيضاً لبوتين، الذي كان يراهن عليه لمنع حدوث تصويت جماعي ضد موسكو في بروكسل.

وبالتالي، فالحكومات الوسطية أو التقدمية، هي أكبر الرابحين بهزيمة أوربان، رغم أن ماجيار هو أيضاً يمين محافظ ومنشق عن حزب أوربان، لكنه تمكن من التقاط التفكير الجديد للشباب في المجر، الذي يراهن على العودة لأوروبا، وحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً للأجيال الجديدة من الشباب.

أما القول إن هزيمة أوربان هي بداية موجة من سقوط الحكومات القومية المتطرفة، فهو أمر صعب، ويكاد يكون مستحيلاً، ليس فقط في أوروبا، ولكن في العديد من دول العالم. فالبرازيل انتخبت الرئيس اليميني المتطرف جايير بولسانارو «2019 - 2023»، ثم أسقطته وأعادت الرئيس اليساري لولا دي سيلفا، الذي لا يزال يحكم، ويعارض سياسات ترامب بشدة.

في حين أن جارتها الأرجنتين فعلت العكس، حيث انتخبت زعيماً من أقصى اليمين، هو خافيير ميلي، منذ 19 نوفمبر 2023 وحتى الآن، وهو شديد التعصب والتأييد لترامب وإسرائيل.

وفى أوروبا نفسها، فإن الحكومات تتأرجح ما بين اليمين المتطرف ويمين الوسط واليسار، والأمثلة متنوعة، مثل بريطانيا والنمسا وهولندا وإسبانيا.

ومن واقع كل هذه التجارب الأخيرة، يصعب القول إنه كانت هناك موجة صعود للأحزاب القومية المتشددة، وبالتالي، يصعب القول إن هزيمة أوربان في المجر تعني أننا بصدد موجة تراجع وانحسار لليمين المتشدد.

والرأي الأقرب إلى الصواب في هذا الصدد، هو أن التيارات الشعبوية في أوروبا لا تتحرك ككتلة واحدة، بل تشهد صعوداً وهبوطاً محلياً وقارياً، بل وفق ظروف وتوازنات سياسية ووطنية واقتصادية واجتماعية متغيرة باستمرار.