وُلد ليكون قائداً.. قراءة في شخصية محمد بن راشد

منذ طفولته المبكّرة كان والده طيّب الذكرى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم يتفرّس فيه ملامح القيادة الفذّة، وانطلاقاً من هذه البصيرة كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، قريباً جدّاً من والده يصحبه في أسفاره، ويرافقه إلى الصّحراء حيث الدروس الصُّلبة، وقد قصّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أروع الدروس الّتي تعلّمها من والده في القصة رقم (11) من سيرته الذاتية المُلهمة (قصّتي: 50 قصة في خمسين عاماً)، والّتي جاءت بعنوان «راشد بن سعيد: دروسٌ لا تنتهي»، حيث أبدع في اقتناص الملامح التربويّة الفريدة الّتي يتمتّع بها هذا الوالد القائد الكبير، لتكون القيادة في شخصيّة صاحب السمو فطرة أصيلة مركوزة في شخصيّته بالأصالة، ثمّ ازدادت توهُّجاً وأصالة بهذا النمط الفريد من التربية، وهذه الخبرات المتنامية الّتي جعلت منه واحداً من أعظم قادة هذا العصر عن كفاءة وجدارة واستحقاق.

تحت عنوان «وثائق تاريخية سرّية تُكشف للمرّة الأولى عن قائد المستقبل» أفرج مكتب الخارجيّة البريطاني عن مجموعة من الوثائق الّتي تتحدث عن مستقبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كقائدٍ فذّ كان يرى فيه والده رجل المرحلة المقبلة، وكيف أنّ الزعماء الإنجليز كانوا يشاطرون الشيخ راشد بن سعيد هذه الرؤية النافذة، ففي عام 1966م وحين كان عمر صاحب السموّ ثمانية عشر عاماً شدّ الرحال إلى إنجلترا من أجل تحصيل المعرفة الحديثة التي تتناسب مع مستقبل الدولة القادمة، وكانت اللغة الإنجليزية في طليعة اهتمامات صاحب السموّ باعتبارها اللغة العالميّة الأولى التي تضمن التواصل مع القوى الكبرى في هذا العالم، ثمّ واصل دراسته العسكريّة، ما أتاح له التعرّف إلى القادة الإنجليز الّذين اكتشفوا مواهبه القياديّة المبكّرة، وكانوا يستشرفون له مستقبلاً زاهراً فيما يتعلّق بشؤون القيادة العسكريّة على وجه الخصوص، وكانوا قد تعرّفوا إلى ملامح شخصيّته القياديّة قبل ذلك حين كان في السادسة عشرة من عمره، وهو ما أكّدته الوثيقة الصادرة عن مكتب الخارجيّة البريطاني عام 1965، حيث جاء فيها: «محمد الّذي يبلغ من العمر نحو 16 عاماً ومع ذلك فإنّه في هذه السنّ المبكّرة يُظهرُ إحساساً متقدّماً بالمسؤوليّة»، وقد فسّرت هذه الوثيقة هذا النبوغ القياديّ بقولها إنّ الشيخ راشد كان يبقيه قريباً منه، وإنّه كان يتفرّس فيه ملامح القائد الّذي سيكمّل المسيرة بعده بكلّ كفاءة وشجاعة واقتدار.

بعد ذلك جاءت الوثيقة الثانية الصادرة عام 1968 عن وزارة الدفاع البريطانيّة لتعزّز محتوى الوثيقة الأولى من حيث الثقة بالشخصيّة القياديّة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حيث ذكرت أنّ: «الشيخ محمد يمثّل أفضل أمل لقوّات دفاع دبي، وما يُرجى أن يكون لاحقاً القوّات المسلّحة للاتحاد المقترح»، وتفسّر الوثيقة هذه الرؤية بقولها: «ورغم أن هذا يبدو عبئاً كبيراً على عاتق شابٍّ يبلغ من العمر 19 عاماً إلا أنّ هذا أيضاً هو رأي والده حاكم دبي، كما عبّر حاكم أبوظبي عن موقفٍ مشابه»، لتشير هذه الوثيقة النادرة إلى حجم الثقة الّتي كان يحظى بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من المؤسّسين الكبيرين: الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله تعالى، وهي الثقة الّتي أثبتت الأيام أنّها كانت في مكانها، وأنّها دليلٌ على بصيرة هؤلاء القادة الفرسان.

أما واسطة العقد بين هذه الوثائق، فهي الوثيقة الثالثة الصادرة عن رئاسة الوزراء في لندن عام 1971، حيث جاء فيها إشادة نادرة بموهبة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد القيادية حين قالت: «وبرغم صغر سنّه نسبيّاً لتولّي حقيبة الدفاع، يُنظر إلى الشيخ محمد باعتباره شخصيّة تقدميّة، وقد وصفه السير ويليام لوس بأنه قائدٌ بالفطرة»، ففي هذه الوثيقة السرّية النادرة تكثيفٌ رائعٌ لشخصيّة صاحب السمو حين وُصف بأنّه قائدٌ بالفطرة بمعنى أنّ شخصيته ذات أبعاد قياديّة متفردة هي التي شكلت شخصيّته باعتبارها صفات ذاتيّة، وليست مكتسبة، لكنّ الخبرة العميقة هي الّتي صقلتها وجعلت منه قائداً استثنائيّاً يحظى باحترام العالم وتقديره.

ثمّ كانت الوثيقة الرابعة والأخيرة والّتي لخّصت كلّ ما سبق حين ذكرت: «إنّ تسمية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزيراً، يُنظر إليه على أنّها مكسب إيجابيّ للاتحاد والمنطقة؛ نظراً لما يتمتّع به من عزيمة واضحة»، وواضح ما تركّز عليه هذه الوثيقة من الأبعاد القياديّة الذاتيّة لشخصيّة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بعيداً عن موقعه الاجتماعيّ الذي يستمده من انتسابه إلى عائلة عريقة تحكم إمارة دبي منذ نحو قرنين من الزمان، ومعلوم أنّ الثقافة الإنجليزيّة ثقافة مقتصدة، شديدة التحفّظ، ولا تميل إلى الإسراف في المديح والثناء، لتكون هذه الوثائق شواهدَ صدقٍ على الشخصيّة القياديّة الفذّة لصاحب السمو الّذي وُلد قائداً وعاش قائداً ووضع دستوراً في صناعة القيادة على الرغم من اعترافه بصعوبة الحديث عن القيادة كما تجده مبسوطاً في كتابه الثمين «رؤيتي: التحدّيات في سباق التميّز»، حيث عقد فصلاً بديع المحتوى بعنوان «القيادة» أتى فيه بكلّ ما هو خصائص القائد الحقيقيّ، مستلهماً ذلك من خبرته الذاتيّة وثقافته العميقة وتجاربه الثمينة الّتي استقاها من تراث الآباء والأجداد، ليظلّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هو الرجل الّذي وُلد ليكون قائداً.