عن «نكسة التطرف» في أوروبا

بفوزه الكاسح بأغلبية ثلثي المقاعد في الانتخابات النيابية المجرية قبل بضعة أيام، كسر حزب تيسا (الاحترام والحرية)، بزعامة الحقوقي والدبلوماسي الموصوف بالوسطية والاعتدال والميل للتوجه الأوروبي الاتحادي، بيتر ماجيار، الخط البياني لصعود القوى الشعبوية القومية المتطرفة، بزعامة السياسي المخضرم فيكتور أوربان.. التي سيطرت بخطابها النظري وسياساتها العملية على مقاليد الحكم والإدارة في بودابست، خلال العقدين الأخيرين.

بضربة انتخابية صاعقة واحدة، تمكن ماجيار وجماعته، من إلحاق هزيمة مدوية بتيار أوربان وحزبه الانعزالي المتشدد (الاتحاد المدني)، الذي تمدد تأثيره مطولاً، ليس فقط في طول المجر وعرضها، وإنما طال أيضاً المحيط الأوروبي.. وكان من دلائل هذا الإشعاع القاري، أن كلاً من جورجيا ميلوني وماري لوبان، الشهيرتان بريادة الدوغمائيين القوميين والمحافظين التقليديين في كل من إيطاليا وفرنسا على التوالي، أشادتا به في غير مناسبة، واعتبرتاه نموذجاً يستحق المحاكاة!

البيانات التفصيلية للتصويت في هذه الانتخابات، أسفرت عن عدد من المفارقات.. منها أن الإقبال على مراكز الاقتراع، بنسبة غير مسبوقة، بلغت أكثر من 77 %، مارس دوره في ترجيح كفة ماجيار. ولعل الأهم بهذا الخصوص، أن جل المصوّتين الجدد كانوا من العناصر الشبابية، ما يعني أن الضجر الشعبي من عهد أوربان ومواليه ونخبة حكمه وممارساته، مرشح للديمومة والاستمرار والتوسع إلى أجل مستقبلي. ومن المرجح أن يتحول هذا المستجد إلى عامل جذب واستقطاب، تحتذي به وتسير على نهجه بقية القطاعات الشبابية الأوروبية، أقله بالنظر لسرعة التأثر والتأثير المحمولة على وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار ما حدث مع التيار الشوفيني، حين عبر الحدود القومية، واستفحل في رحاب القارة.

عموماً، بات المشهد الأوروبي يؤذن بانكماش التوجهات الشعبوية، التي احترفت العزف على المشاعر والأحانين القومجية الموروثة، وانحدر بعض مروجيها إلى درك التمييز العنصري وبث الكراهية ضد الأجانب، لا سيما اللاجئين والمهاجرين منهم بأشكال شرعية وغير شرعية.. وذلك مع محاولة المداراة على مقومات الفساد الداخلي، وتفشي الاختلالات الاقتصادية والتفاوت الطبقي، وانتهاك حرمتي القوانين واستقلال القضاء، التي حملت الشركاء الاتحاديين على حجب المعونات، وأدت إلى عزوف الاستثمارات الخارجية عن التدفق للبلاد. ومن المفارقات اللافتة كذلك، أن الناخبين، وبخاصة المقبلين منهم على الاقتراع للمرة الأولى، أصموا سمعهم وأغلقوا أبصارهم عن المؤثرات الخارجية، بما فيها القادمة من جهتي موسكو في الشرق، وواشنطن في الغرب.. تلك التي طالما استعاذ بها أوربان، وحاول توظيفها أكثر فأكثر لصالح تياره أثناء حملته الانتخابية. لقد كان من غرائب حصاد سياسة الرجل وسلوكه على الصعيد الخارجي، تلك الحظوة التي نالها لدى كل من بوتين وترامب، على حد سواء. إذ كان معارضاً صلباً لفرض مزيد من العقوبات على موسكو جراء الحرب الأوكرانية، ورافضاً لاستخدام الأصول الروسية المالية المجمدة لصالح الجانب الأوكراني.. وفي الوقت ذاته، كان شريكاً أثيراً لدى واشنطن، لدرجة أن ترامب وصفه بـ «الشوكة في خاصرة الاتحاد الأوروبي، وحليفاً يعتد به في تطبيق المثل التي نؤمن بها».. وفي فعلة لا تتكرر كثيراً لجهة التدخل بين يدي عملية ديمقراطية داخلية بحتة في دولة أخرى، حط نائب الرئيس الأمريكي، دي فانس، رحاله في بودابست عشية يوم الانتخابات، وجاهر بتأييده لأوربان.. ثم أنه أعلن أسفه لهزيمة هذا الحليف لاحقاً.

وفي المناسبة، يصح إدراج حيثيات هذه الواقعة ضمن المؤشرات القوية المتنامية، على مدى التباعد والتباين بين عواصم جانبي الأطلسي، إزاء صعود وهبوط شعبية التيارات الأيديولوجية والسياسية في عالم الغرب.. ففي الوقت الذي أظهر فيه ترامب ونائبه وبعض أركان إدارته سخط واشنطن وامتعاضها من غروب نجم أوربان وبطانته في بودابست، لاقت هذه النتيجة استحساناً كبيراً في كبريات العواصم الرائدة للاتحاد الأوروبي، باريس وبرلين وبروكسل بالذات، تجسد في انهيال التهاني والتبريكات على ماجيار. وقد عبّرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فوندر لاين، عن الاستبشار القاري بهذا التحول، بالقول «قلب أوروبا راح ينبض اليوم بقوة أكبر».

ما حدث في سياق النموذج المجري، يقودنا للاعتقاد بأننا بصدد حالة «صحوة وكبح أو فرملة» مضادة لموجة الشعبويين، وربما كانت الشعوبية، التي راجت وعلت مكانتها أوروبيا في العقدين الأخيرين.. وذلك على نحو وضع القوى الوحدوية على صفيح ساخن، وأدى إلى تفشي الأراجيف والمخاوف بشأن مستقبل التجربة الاتحادية برمتها، خاصة بعد الخروج (البريكست) البريطاني منها، والصدود الأمريكي تجاهها في ولايتي ترامب. على أنه ينبغي تذكير المنتشين بهذه الحالة بالقناعة المعلومة فلسفياً، وهي أن التيارات الأيديولوجية الفكرية والثقافية السياسية، لا تسقط عمودياً بالضربة القاضية.. ولذا، ربما تعيّن عليهم الاستعداد لمواجهة مباغتات خصومهم في جولات أخرى.