فرحت بروكسل.. وحزنت عواصم

جاءت النتيجة المتحققة في الانتخابات البرلمانية المجرية يوم 12 من هذا الشهر، وكأنها حجر ضخم جرى إلقاؤه في بحيرة من الماء الراكد.

في العادة يؤدي إلقاء مثل هذا الحجر في بحيرة من هذا النوع إلى إحداث دوائر متتابعة على سطح البحيرة، تظل تتوالد بعضها من بعض، وتظل كل دائرة تلحق بما قبلها في اتجاه الشاطئ، ويظل ذلك تعبيراً عن أن وضعاً قد نشأ في مرحلة ما بعد إلقاء الحجر، لا علاقة له بالوضع قبل إلقاء الحجر.

كان فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر الذي خسر في السباق الانتخابي، قد ذهب إليه وكله ثقة في الفوز، وكان يذهب إلى السباق ووراءه 16 عاماً في مقاعد الحكم، وكان هذا مما زاد من ثقته في الفوز، وفي حسم النتيجة لصالحه وصالح حزبه، كما كان قد حسمها مرات من قبل.

والمشكلة التي تابعناها بعد خسارة أوربان، أن خسارته لم تكن مجرد خسارة له كشخص، ولا لحزبه كحزب، وإنما كانت خسارة سياسية معلنة لأطراف كثيرة خارج بلاده، فكانت روسيا هي أول هذه الأطراف، وكانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هي الطرف الثاني، وكانت حكومة بنيامين نتانياهو في تل أبيب هي الطرف الثالث، وربما كانت هناك أطراف أخرى طبعاً، ولكن هذه الأطراف الثلاثة هي الأهم.

فليس سراً أن رئيس الوزراء الخاسر عاش يلعب دور «الشريك المخالف» في كل اجتماع للاتحاد الأوروبي، منذ أن اشتعلت الحرب الروسية الأوكرانية في الرابع والعشرين من فبراير في 2022، فمنذ ذلك التاريخ صار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خصماً سياسياً للساسة والقادة في العواصم الأوروبية كلها، إلا العاصمة المجرية بودابست.

كان الساسة والقادة في عواصم أوروبا كلما دعوا إلى اجتماع في مقر الاتحاد في بروكسل، جاء أوربان ضمن المدعوين بحكم عضوية بلاده في الاتحاد، وكان الساسة والقادة الأوربيون كلما دعوا إلى تصويت في داخل الاتحاد على إجراء سياسي أو غير سياسي ضد روسيا، رفع رئيس وزراء المجر الحاضر بينهم يده معترضاً ومحتجاً! ولقد تكرر ذلك كثيراً، وضاقوا هم به ذرعاً أكثر، ولكنهم لم يكونوا يملكون فعل شيء، وكانوا يراهنون على انتخابات الثاني عشر من هذا الشهر في المجر، لعلهم يتخلصون من هذا الصداع الذي كان يلازمهم كلما دعوا إلى اجتماع للاتحاد.

وحين جرى إعلان النتيجة تنفسوا جميعاً الصعداء بالمعنى الحرفي للعبارة، وراحوا يتبادلون التهاني مع بيتر ماجيار، رئيس حزب «تيسا» الفائز، وهم لا يكادون يصدقون أن حزب الشريك المخالف لم يعد موجوداً في مقاعد الحكم! وعندما هنأ رئيس وزراء بولندا مثلاً المرشح الفائز، راح يشدد في تهنئته على سعادته بالفوز المتحقق، ثم يقول: أيها الروس عودوا إلى بلادكم! وكان القصد أن الروس تواجدوا في بودابست سياسياً بكثافة طوال أيام أوربان، وأنهم قد جاء عليهم وقت سوف يكونون مضطرين فيه إلى العودة أدراجهم إلى روسيا، وأن المجر من بعد فوز ماجيار ليست كما كانت قبل الفوز، وأن المعاناة السياسية التي طالت مع الأوروبيين على مدى سنوات رئيس الوزراء الخاسر قد آن أن تكون لها نهاية.

كان هذا هو لسان حال رئيس وزراء بولندا وهو يطلق عبارته تلك، وكان هذا هو لسان كل رئيس حكومة أوروبي بالدرجة نفسها، وكان هذا هو لسان حال القارة الأوروبية كلها وهي تتلقى النبأ غير مصدقة.

أما إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فلسبب ما، كانت تراهن علانية على فوز أوربان، وبلغت في رهانها إلى حد أن ترامب أرسل نائبه جي دي فانس إلى بودابست ليعلن من هناك تأييد بلاده لرئيس الوزراء المرشح، وليعلن أيضاً أن مساعدات اقتصادية كبيرة تنتظر المجر إذا ما صوتت لرئيس وزرائها من جديد.

ولا أحد يعرف كيف تلقى ترامب خبر خسارة أوربان، فهو لم يعلق على الخسارة المدوية بعد، ولا بد أن ما حدث كان بمثابة الصدمة السياسية الكبيرة، وربما الأكبر بالنسبة له منذ أن عاد إلى البيت الأبيض في يناير من السنة الماضية.

وعلى مستوى الحكومة الإسرائيلية، لم يكن خبر الخسارة خبراً سعيداً بأي حال، بل إن وسائل إعلام إسرائيلية علقت على خسارة رئيس الحكومة المرشح، بأن حكومة نتانياهو قد خسرت برحيله عن الحكم شرياناً من شرايين الحياة.

وهكذا، حزنت موسكو، وحزنت واشنطن، وحزنت تل أبيب، وفرحت بروكسل وحدها، وكان هذا هو ملخص ما جرى، أما تفاصيله فسوف نتابع الأيام المقبلة.