تطور القدرات النووية

لم تكتشف البشرية سلاحاً أخطر وأكثر فتكاً من الأسلحة النووية. إن كنت تبحث عن دليل على أن الإنسان هو أخطر مخلوق على الإنسان فلا تبعد كثيراً، بل فتش عن أسلحة الدمار التي تنتجها مثل الأسلحة النووية. جرب العالم استخدام القنبلة النووية حين هاجمت الولايات المتحدة اليابان مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

ورغم ما يقوله المؤرخون إن اليابان كانت على استعداد للاستسلام إلا أن الرئيس هاري ترومان أراد أن يوجه رسالة إلى حليف الأمس (الاتحاد السوفييتي) عبر استعراض القوة التدميرية للأسلحة النووية. بل في مؤتمر بوتسدام، والذي عقد في ألمانيا بين القوى المنتصرة (الولايات المتحدة، الاتحاد السوفييتي، بريطانيا) لمناقشة مستقبل ألمانيا والعالم بعد الحرب، أسرّ ترومان لجوزيف ستالين الزعيم السوفييتي أنه اكتشف سلاحاً جديداً له قدرة تدميرية هائلة.

وبسبب تجربة الدمار الفظيع التي شهدها العالم في الضربتين التي وجهت لمدينتي هيروشيما وناغازاكي، شهد العالم بالتجربة خطورة الأسلحة النووية. لم يتأخر السوفييت كثيراً بإنتاج سلاح مماثل، خاصة أن الحرب الباردة أسفرت عن وجهها البَشِع. وقد اقترب العملاقان من استخدام هذه الأسلحة في الحرب الكورية والتي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية بخمس سنوات.

ولكن الخطورة كانت أكبر في أزمة الصواريخ الكوبية. كان الاتحاد السوفييتي قد نشر صواريخ نووية متوسطة المدى على خلفية محاولة واشنطن في عملية فاشلة عرفت بغزوة خليج الخنازير لإسقاط نظام فيديل كاسترو الموالي للسوفييت. كما أن تخوف الاتحاد السوفييتي من نشر الولايات المتحدة لصواريخ متوسطة المدى في أوروبا وتركيا، حفز الأولى على الإقدام على نشر هذه الصواريخ بالقرب من سواحل أمريكا. استمرت الأزمة لمدة أسبوعين 14 ـ 28 أكتوبر 1962 حبس العالم خلالها أنفاسه مع اقتراب القوتين النوويتين من حافة الهاوية في العام 1962. أدرك الجميع مخاطر القوة النووية وإمكانية انفلاتها من عقالها والتسبب بكارثة عالمية.

كما أن القوى العظمى باتت متحوطة من هجوم مباغت يستطيع الأعداء من خلاله القضاء على الأسلحة النووية المتواجد لدى الخصم. وقد شرعت الدول النووية إلى تبني استراتيجية نووية عرفت بالثالوث النووي.

تتلخص هذه الاستراتيجية التي تم تبنيها في الستينيات من القرن الماضي من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ولاحقاً دول نووية أخرى، من هيكلة قدراتها النووية العسكرية بحيث تستطيع الدول النووية استيعاب الضربة الأولى والرد على الدولة المهاجمة.

وقامت هذه الدول بإنشاء قوات نووية متمركزة على الأرض ومحمولة بالصواريخ العابرة للقارات. وجزء آخر محمول بالطائرات والقاذفات الاستراتيجية لإيصال القنابل النووية إلى أرض الخصم. والثالثة محمولة على غواصات بإمكانها توجيه ضربات نووية للعدو.

وهذا الثالوث النووي يعطي الدول فرصة على استعادة المبادرة بسبب توزيع الأصول النووية والتي لا يمكن الوصول إليها في ضربة واحدة. والاعتقاد السائد هو أن الثالوث النووي سيعزز من الردع النووي المتبادل ويمنع التهور في الإقدام على ضربة مباغتة ضد الخصوم.

ولم تقف القدرات النووية عند القوتين العظميين والتي سيطرت على العالم، بل انتشرت هذه الأسلحة للقوى الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا. ولحقت بها دول أخرى متوسطة مثل إسرائيل والهند وباكستان. وانضمت كوريا الشمالية مؤخراً إلى النادي النووي الدولي.

هناك إشكاليتان في انتشار الأسلحة الذرية. هناك انتشار أفقي والذي يعني توسع امتلاك الأسلحة النووية من قبل الدول غير النووية. وهناك انتشار عمودي والذي يعني زيادة وتحديث القدرات النووية وامتلاك قدر أكبر من هذه الأسلحة من قبل الدول النووية ووسائل إيصالها.

هناك نظام صارم للانتشار الأفقي للأسلحة النووية متمثل في اتفاقية عدم الانتشار النووي. ولكن الانتشار العمودي يتم خيارياً من قبل الدول النووية لتحجيم هذه القدرات كما رأيناها في اتفاقيات سالت 1 وسالت 2 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في السبعينيات من القرن المنصرم.

لم تزد الأسلحة النووية العالم أمناً، بل يعيش العالم اليوم تحت الرعب النووي. وإذا ما اندلعت حرب نووية بين الدول الكبرى فإن الحضارة البشرية كما نعرفها ستكون في خبر كان.