حرب «القردة» الأهلية

اندلعت حرب أهلية غير مسبوقة بين القردة في غابات أوغندا استمرت لنحو ثماني سنوات، وما زالت مستعرة حتى يومنا هذا. علماء من جامعة تكساس الأمريكية وصفوا ما رصدوه في دراستهم بأنها «الحادثة الأولى من نوعها»، من حيث الانقسام الداخلي بين جماعة واحدة من الشمبانزي.

اللافت أن تلك القردة كانت تحظى بعقود من التماسك والتعاون قبل انقسامها عام 2015 عقب تولي قائد جديد زمام الأمور، الأمر الذي أجج الصراع، ثم أدى إلى انقسامها إلى طائفتين منفصلتين، وبسبب حدة الخلافات اقتصر التزاوج داخل كل طائفة على أفرادها، بعد أن تقطعت وشائج المودة بينهما.

كيف لجماعة متحابة أن تتحول خلافاتها العارضة إلى مواجهات دامية بما فيها من عمليات قتل واختطاف لم يسلم منها حتى صغار الشمبانزي؟

هذه الحرب الأهلية لم تثر انتباه العابرين فحسب بل وثقتها صفحات البحث الأكاديمي ومقاطع فيديو نشرتها مجلات علمية أظهرت المواجهات العنيفة، في مشهد أدهش الباحثين حين لاحظوا اختفاء جثث القتلى من شتى أنحاء الغابة، وهو أمر ينم عن سلوك عجيب حير العلماء، حسب تقارير إعلامية.

الباحثون يهتمون بالشمبانزي لأنهم أكثر الكائنات الحية تطابقاً مع سلوك البشر، إذ يشتركون معهم في 98 في المائة من الحمض النووي، وربما هذا ما يبرر فرضية عامل الجينات، فقد قرأت ذات مرة أن السلوك العدواني قد يأتي من جينات أسلافنا، ولذلك نجد من هو مسالم الطبع وعدواني النزعة.

كما لوحظ - في دراسة أخرى- اتباع القردة لسلوك غريب يسمى «التحالف العدواني»، وذلك حينما تتكالب مجموعة منهم على قرد ضعيف للنيل منه. هذا السلوك مشاهد في حالات التنمر في المدارس والشوارع.

الباحثون يقولون إن هذا الانقسام الحاد والدموي نادر جداً، فهو يحدث كل 500 عام تقريباً، الأمر الذي منح تلك الظاهرة أهمية كبرى.

تلك الحرب الأهلية التي اندلعت بين قردة أوغندا تشير إلى أن التحالفات قابلة للانهيار، متى ما تعارضت المصالح، وأن الخوف والطمع والهيمنة ليست مفاهيم سياسية فحسب بل سلوكيات غائرة في وجدان النفس البشرية، وسائر الكائنات الحية.

الصراعات أسبابها كثيرة، منها الخوف من التهديد الخارجي، والمفارقة أن القائد قد يُشعل جَذوة الصراع وقد يسهم في إخماد نيران الفتنة.

كما أن الأزمات قد تقع في أوقات غير متوقعة، ولذلك كانت أهمية الانتباه لبوادر الأزمة، ولذلك وُجدت المؤشرات الدولية والصحية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، كقرون استشعار ترصد الأزمة، وتتعامل معها قبل تفاقمها، على سبيل المثال، مؤشرات انتشار الأوبئة قبل تفشيها، وتقلبات الاقتصاد قبل ركوده، وتصاعد الخطاب العدائي قبل اندلاع النزاعات. ولحسن الحظ صارت المؤشرات عموماً مدعومة بالتكنولوجيا المتقدمة، والعلوم، والخبرات التراكمية وعلم الإحصاء وغيرها، فلم تعد المؤشرات مبنية على حدس صاحب القرار.

في النهاية ليست قصة قردة أوغندا مجرد حادثة غريبة في أدغال أفريقيا بل مرآة تعكس جانباً من طبيعتنا البشرية، فالمشكلة تبدأ بمؤشرات صغيرة تُهمل ثم سرعان ما تكبر ككرة الثلج تجاهلناها منذ البداية، غير أن الفارق بين الإنسان والكائنات الأخرى يكمن في أن الأول يملك الوعي والبصيرة والمقدرة على كبح جماح نفسه، فضلاً عن إمكانية استشراف جانب من المستقبل، لتقليل شيء من تداعيات المواجهة.