رحم الله أستاذي كامل يوسف حسين، وجعل أثره فيّ كتلميذة امتداداً حياً لا ينقطع، ليبقى الفقد لشخصٍ علّمنا مختلفاً، لأنه لا يشبه أي فقد آخر، فالمعلّم لا يمرّ في حياتنا مروراً عابراً، بل يترك في اللغة التي نكتبها، وفي الطريقة التي نفكّر بها، شيئاً منه... وكأن صوته يستمر داخلنا دون أن نشعر.
كانت علاقتي بالراحل الأديب والمترجم والباحث كامل يوسف حسين علاقة معرفية، بدأت منذ تعييني في صحيفة البيان، حيث كان يشغل رئاسة قسم الترجمة، رئيساً يليق بالقسم فعلاً، في مكتبه الذي كنت أعدّه مساحة حيّة، يزوره يومياً أدباء ومسؤولون مهتمون بالمعرفة، من أمثال الأديب الراحل حمد بوشهاب، والأديب محمد المر، وأسماء فكرية أخرى كانت تفد إلى الصحيفة بشكل شبه يومي. أما أنا، فكنت أختلس منه عشر دقائق يومياً، أبحث فيها عن نافذة تُفتح على اللغتين اللتين يعمل عليهما. كان سؤالي الأول له: هل درست في بريطانيا؟ بسبب تلك اللهجة الإنجليزية المتقنة التي كان يتحدث بها عبر الهاتف. ابتسم وأجابني عن جامعة القاهرة وأساتذتها في الستينيات، وكيف كانت مستوياتهم التعليمية مضيئة، ثم قال بتواضع: لعلهم أثروا بي.
رحل المعلم كامل يوسف حسين في بلده مصر، بعد أن عاش في الإمارات، تاركاً إرثاً كبيراً من آثار الآخرين عبر الترجمة، إرثاً تجاوز المئة عمل، من ترجمات أدبية عالمية، وكان ممن يختارون نصوصاً مركّبة وعميقة، تحتاج إلى لغة عربية قادرة على أن تتشكل من جديد.. اشتغل على الأدب الأمريكي والروسي والياباني، وقدّم لنا أسماء كبرى عبر ترجماته، مثل موراساكي شيكيبو في حكاية جينجي، ويوكيو ميشيما في رباعية بحر الخصب واعترافات قناع، وصولاً إلى بول أوستر في ثلاثية نيويورك، وتوني موريسون في جاز، وهنريك إبسن في بيت الدمية..
ولم يكتفِ بترجمة الأدب، بل امتد إلى الفكر والفلسفة، فنقل أعمالاً مهمة، منها كتاب الاغتراب للفيلسوف الأمريكي ريتشارد شاخت، المعروف باشتغاله على الفلسفة الأوروبية الحديثة، وخاصة نيتشه وهيغل، إلى جانب ترجمته لكتاب الموت في الفكر الغربي لجاك شورون، والفكر الشرقي القديم لجون كولر، كما قدّم ترجمة لافتة لكتاب أنشودة الحداد: الحرب والتذكر من الإلياذة إلى فيتنام لجيمس تاتوم.
واتسعت أعماله لتشمل التاريخ والاقتصاد والفكر المعاصر، إلى جانب اهتمامه بالثقافة والفن والسينما، كما أنجز عملاً بحثياً ميدانياً مهماً في «موسوعة مساجد الإمارات»، موثقاً تاريخ المساجد في الدولة، ونقوشها، ومعمارها، وكان يدعو إلى بناء المساجد وفق الطراز الفني والمعماري المحلي.. وكم هو جميل أننا كسبناه يوماً، وعرفناه، وبقي فينا.
أعود إلى مدخل علاقتي به، حين قرأت كتاب إمبراطوريات الرياح الموسمية لريتشارد هول، وهو من أجمل ترجماته بالنسبة لي آنذاك، خلال عملي على روايتي الأولى سلطنة هرمز، لتمتد نقاشاتنا حول ذلك التاريخ، إلى زمن الملاحق الثقافية العربية التي كانت تصدر خارج العالم العربي، ويرحب دائماً بأن أقرأها في مكتبه، فكان المعلم الحقيقي الذي لا يفرض صوته، بل يترك ضوءاً.. وخاصة أنه من جيلٍ عمل في الظل، ترجم، وكتب، وعلّم، وترك وراءه ما يشبه الخريطة: مترجماً وباحثاً وشريكاً خفياً في صناعة الثقافة.
وكانت آخر جلسة لي معه في دبي، في مؤسسة سلطان بن علي العويس، حيث تحدّث عن مسيرته. واليوم هنا، أودّعه، بعد أن ترك أثراً في طريقة بحثي واطلاعي..
رحم الله كامل يوسف حسين.