شعوب بين الوعي والتغيب

في لحظات التوتر الإقليمي، حيث تتقاطع المصالح وتعلو أصوات الصراع، لا يُختبر فقط تماسك الدول، بل يُختبر وعي الشعوب، فالحروب لا تبدأ بالرصاص وحده، بل تبدأ أحياناً بفكرة.. وتنتصر أو تنهزم بمدى إدراك الناس لحقيقتها.

في دولة الإمارات، يتجلى نموذج مختلف؛ نموذج يقوم على بناء الإنسان قبل كل شيء، هنا لا يُسأل الإنسان عن لغته أو توجهاته، بل عن مساهمته في المجتمع، أكثر من مئتي جنسية تعيش على أرض واحدة، ومع ذلك لا نشهد صداماً ثقافياً، بل انسجاماً نادراً، السبب لا يعود إلى الصدفة، بل إلى نهج واضح تقوده الدولة منذ تأسيسها: التسامح، وسيادة القانون، وتقديم مصلحة المجتمع على أي اعتبار فردي أو فئوي.

لقد عبّر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عن هذا المعنى حين أكد أن «الإنسان هو الثروة الحقيقية»، وهي عبارة لم تبقَ شعاراً، بل تحولت إلى سياسات ومبادرات ملموسة.

كما رسّخ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، هذه الفلسفة بقوله: «رهاننا على الإنسان.. فهو أساس التنمية وغايتها».

هذا النهج لم يكن نظرياً، بل تجلى في مبادرات وطنية متتابعة، مثل «عام المجتمع 2025» و«عام الأسرة 2026»، التي تعكس فهماً عميقاً بأن قوة الدول تبدأ من تماسك الأسرة، وتمتد إلى تلاحم المجتمع بأكمله، لذلك، في الأزمات، لا يتحول الناس إلى أفراد متنافسين، بل إلى جسد واحد يتحرك بغريزة التعاون، رأينا ذلك في المواقف الإنسانية، وفي الاستجابة المجتمعية للكوارث، حيث يتقدم الجميع بروح «الأسرة الواحدة»، دون تمييز.

وعلى النقيض، نجد في بعض المجتمعات الأخرى صورة مختلفة؛ مجتمعات قد تكون أكثر تجانساً من حيث اللغة أو العرق، لكنها تعاني من تفكك داخلي عند أول اختبار، السبب لا يكمن في الناس أنفسهم، بل في توجيه الوعي، عندما تُبنى السياسات على تغليب مصالح ضيقة، أو عندما يُعاد تشكيل الإدراك الجمعي لخدمة أجندات محددة، يتحول المجتمع تدريجياً إلى أفراد يبحث كل منهم عن خلاصه الشخصي.

هنا تتضح خطورة «التغييب»، وهو ليس جهلاً بالضرورة، بل إعادة توجيه الوعي لذا «أفضل وسيلة للسيطرة على الناس هي التحكم في ما يعتقدون أنه حقيقة»، وعندما تصبح الرواية الرسمية أو الإعلامية هي المصدر الوحيد، يُعاد تشكيل الأولويات: تُقدَّم الصراعات على التنمية، وتُستبدل رفاهية الإنسان بخطابات تعبئة مستمرة.

حتى في عصر وسائل التواصل، حيث يفترض أن تتعدد الأصوات، نرى مفارقة لافتة، بعض المؤثرين يملكون ملايين المتابعين، لكنهم يكررون خطاباً واحداً، يعزز الانقسام أو يبرر الأزمات، بدل أن يرفع مستوى الوعي، وفي المقابل، يظهر آخرون يحاولون كسر هذا النمط، بالدعوة إلى التفكير النقدي، لكنهم غالباً يواجهون مقاومة أو تهميشاً.

الوعي الحقيقي لا يُفرض، بل يُبنى، يُبنى بالتعليم، وبالقدوة، وبالسياسات التي تضع الإنسان في المركز، وهذا ما أدركته الإمارات مبكراً:

أن الاستثمار في الإنسان ليس خياراً، بل ضرورة وجودية، لذلك، حين تهب العواصف، يبقى المجتمع متماسكاً، لأن الرابط بين أفراده ليس ظرفياً، بل متجذر في منظومة قيمية واضحة.

وفي النهاية، يمكن القول إن الفارق بين مجتمع وآخر لا يُقاس فقط بما يملكه من موارد، بل بما يملكه من وعي، فالشعوب الواعية لا تُقاد بسهولة، ولا تُستدرج إلى صراعات لا تخدمها، أما الشعوب التي تم تغييبها، فقد تجد نفسها تدافع عن قضايا لم تخترها، وتسير في مسارات لم ترسمها. وبين الوعي والتغييب... تُكتب مصائر الأمم.

الرئيس التنفيذي لمؤسسة تنظيم الصناعات الأمنية (سيرا)