فتح المضيق بين الإرادة الدولية والقوة

مضيق هرمز، الذي كان أحد أسباب فشل أو تعثر المفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان، كان هو أيضاً سبب «الفيتو» الذي أسقط مشروع القرار البحريني بخصوص فتح المضيق في مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي. «الفيتو» الذي استخدمته كل من الصين وروسيا لإسقاط مشروع القرار البحريني كان رسالة واضحة، تتجاوز التفاصيل إلى جوهر الصراع في المنطقة، لتقول بوضوح لا لبس فيه، إن ميزان المصالح لدى القوتين الكبيرتين يميل إلى جانب إيران، حتى وإن جاء ذلك على حساب استقرار واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

عندما تختبر الأزمات الكبرى صدق المواقف، لا تعود الكلمات الدبلوماسية كافية لستر التناقض، ولا تنجح لغة المصالح في إخفاء ما يتكشف من حقائق على أرض الواقع.. هكذا بدا المشهد في أروقة مجلس الأمن الدولي، عندما تم إسقاط مشروع القرار البحريني، ليس لأن العالم اختلف على مبدأ حرية الملاحة، ولكن لأن السياسة انتصرت على المنطق.

لعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل، أن هذا الموقف يأتي في وقت شهدت فيه العلاقات بين بكين وموسكو ودول الخليج العربية تطوراً لافتاً خلال السنوات الأخيرة.. فقد فتحت هذه الدول أبواب شراكات استراتيجية واسعة مع الصين وروسيا في مجالات الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا، وكانت هذه الشراكات تُقرأ باعتبارها مؤشراً على عالم متعدد الأقطاب، تتوازن فيه المصالح، وتتعدد فيه الخيارات. لكن هذا «الفيتو» أعاد طرح السؤال القديم حول ما إذا كانت العلاقات الدولية تبنى على المصالح المتبادلة، أم على حسابات القوة والنفوذ، وهل يمكن لشراكات الاقتصاد أن تصمد حين تتعارض مع حسابات الجغرافيا السياسية.

موقف الصين التي طالما قدمت نفسها شريكاً اقتصادياً موثوقاً، يعكس براغماتية تقدم أمن الطاقة واستقرار علاقاتها مع إيران على أي اعتبارات أخرى.. فإيران بالنسبة لبكين مصدر مهم للطاقة، وعقدة أساسية في مشروع الحزام والطريق.. من هنا، يصبح الفيتو أداة لحماية هذا الاستثمار الاستراتيجي، حتى وإن جاء ذلك على حساب قلق شركاء آخرين في الخليج.

أما روسيا، التي تعيد رسم حضورها في المنطقة، فهي تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة، لكنها تصل إلى النتيجة ذاتها.. فموسكو المنخرطة في صراع أوسع مع الغرب، ترى في إيران حليفاً سياسياً واستراتيجياً، وشريكاً في مواجهة الضغوط الدولية.. وبالتالي، فإن أي قرار يُفسَّر على أنه إدانة لطهران، ينظر إليه في الكرملين كجزء من معادلة أكبر، تتجاوز حدود مضيق هرمز إلى خرائط النفوذ العالمي.

ما يغيب عن هذه الحسابات، هو أن أمن الملاحة في مضيق هرمز مسألة عالمية تمس الاقتصاد الدولي بأسره، أكثر منه قضية إقليمية تخص دول الخليج وحدها.. فكل ناقلة تمر عبر هذا المضيق تحمل معها استقرار الأسواق، وأمن الإمدادات، وطمأنينة الملايين حول العالم. وعندما يُترك هذا الشريان الحيوي عرضة للتهديد، فإن الرسالة التي تصل إلى العالم هي أن القانون الدولي يمكن أن يُعطَّل بقرار سياسي، وأن مصالح الشعوب قد تختزل في لعبة توازنات.

في هذا السياق، جاء موقف الإمارات واضحاً وحازماً، ليس فقط في التعبير عن الأسف، ولكن في التأكيد على أن حرية الملاحة خط أحمر لا يمكن التهاون فيه.. فالإمارات التي بنت نموذجها على الانفتاح والتجارة، تدرك أن استقرار المنطقة ضرورة وجودية، وليس خياراً.. ومن هنا، فإن تحركها الدبلوماسي ينطلق من رؤية أعمق، ترى في أمن الممرات البحرية أساساً لأي استقرار اقتصادي عالمي.

ولكن هل تدرك الصين وروسيا أن وقوفهما إلى جانب إيران في هذه اللحظة قد يترك أثراً على علاقاتهما مع دول الخليج، أم أن رهاناتهما الاستراتيجية تجعل هذا الثمن مقبولاً؟.. الإجابة ليست سهلة، لكنها تكشف عن حقيقة أنه في عالم اليوم لا توجد صداقات دائمة بل مصالح دائمة.. غير أن الدول التي تراهن على استقرارها، كما تفعل دولة الإمارات، تدرك أن بناء التوازن لا يكون بالارتهان لطرف، ولكن بامتلاك القدرة على إدارة العلاقات بحكمة حتى في أصعب اللحظات.

الغريب أن الصين التي استخدمت «الفيتو» قبل أسبوع لإسقاط مشروع القرار البحريني، عادت اليوم لتدعو إلى حرية الملاحة دون عوائق في المضيق، فلماذا كان الاعتراض إذاً، وكيف تغير الرأي بين يوم وليلة؟!.. «الفيتو» الذي أسقط مشروع قرار فتح المضيق يشكل محطة جديدة في اختبار العلاقات الدولية، أكثر منه مجرد تصويت على قرار.. فهل تكون القوة هي الوسيلة لفتح المضيق بعد أن فشلت المفاوضات والإرادة الدولية في ذلك؟.