تفكيك شبهة اختزال الخلاف بأنه سياسي مع النظام الإيراني

في القراءة الجيوسياسية الرصينة، والتحليل الفكري الدقيق، لا يجوز اختزال الخلاف مع إيران في كونه خلافاً سياسياً فقط؛ لأن هذا الوصف، وإن لامس جانباً محدوداً من الحقيقة، يتحول إلى تضليل حين يُراد له أن يختصر الصورة كلها في زاوية واحدة. فالمشكلة مع النظام الإيراني ليست مجرد تباين مصالح، ولا مجرد تنافس نفوذ، ولا مجرد خلاف عابر يمكن احتواؤه بتهدئة مرحلية أو تسوية ظرفية.

إن جوهر الإشكال أعمق من ذلك بكثير، لأننا أمام نظام لم يعرّف نفسه منذ التأسيس بوصفه دولة طبيعية مكتفية بإدارة مصالحها داخل حدودها، بل بوصفه حاملاً لمشروع ذي طبيعة أيديولوجية عابر للحدود، يجعل من السياسة أداة لخدمة تصور أوسع للنفوذ والامتداد وإعادة تشكيل المجال الإقليمي.

ويكفي، في هذا السياق، الرجوع إلى النص المؤسس ذاته لفهم طبيعة هذا المشروع. فالمادة 154 من الدستور الإيراني لا تُقرأ بوصفها عبارات إنشائية هامشية، بل باعتبارها مؤشراً بنيوياً إلى هوية النظام وأفق حركته. فحين ينص الدستور على دعم ما يسميه كذباً النضالات العادلة للمستضعفين في أنحاء العالم، مع حديث موازٍ عن عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، فإننا نكون أمام مفارقة كاشفة؛ خطاب سيادي في ظاهره، ورسالة عابرة للحدود في مضمونه. وهذه الصياغة تكشف أن الدولة، في التصور الإيراني، لم تُبنَ على معنى الدولة الوطنية المكتفية بذاتها، بل على وظيفة أيديولوجية تتجاوز الحدود وتخلط بين العقيدة والسياسة، وبين السيادة الوطنية والمهمة الرسالية الأيديولوجية الإرهابية.

ومن هنا، فإن من يختزل الخلاف مع إيران في كونه خلافاً سياسياً فقط، لا يخطئ في الوصف وحسب، بل يتجاوز النص التأسيسي الذي صاغ بنية النظام وحدد منطقه الحركي. فالأدبيات البحثية والتحليلية تتفق على أن إيران ليست نظاماً براغماتياً بالمعنى التقليدي، بل نظام تحكمه محددات فكرية صلبة، حتى عندما يبدو سلوكه الخارجي مرناً أو قابلاً للتفاوض.

فالأيديولوجيا هنا ليست مجرد أداة تعبئة داخلية، بل عنصر بنيوي مؤثر في القرار، وفي تعريف الخصوم والحلفاء، وفي ترتيب الأولويات، وفي تبرير التمدد الإقليمي. لذلك، فإن أي مظهر براغماتي في السلوك الإيراني يظل، في كثير من الأحيان، تكتيكاً مرحلياً لا تحوّلاً حقيقياً في طبيعة المشروع أو منطلقاته العميقة.

ولو كان الخلاف مع إيران خلافاً سياسياً تقليدياً، لانحصرت أدواته الرئيسة في التفاوض، والضغط الدبلوماسي، والمنافسة الاقتصادية، وربما الاشتباك المباشر بين الدول وفق قواعد معروفة في العلاقات الدولية.

لكن ما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية يكشف نمطاً مختلفاً تماماً؛ نمطاً يقوم على بناء شبكات وكلاء، ورعاية جماعات مسلحة، وفتح مسارات للتمويل والتسليح والتدريب تعمل خارج منطق الدولة الوطنية ومؤسساتها الوطنية.

وهنا لا تعود المسألة مجرد خلاف سياسي، بل مشروع نفوذ يعمل على إعادة تشكيل البيئات الهشة، واستثمار الانقسامات، وإدامة الفوضى بما يخدم حضوراً إقليمياً ممتداً ومنخفض الكلفة المباشرة.

وفي هذا الإطار، تبدو الساحتان اليمنية واللبنانية شاهدين واضحي الدلالة على هذا النمط.

ففي اليمن، لا يمكن قراءة الدعم العسكري والتسليحي للحوثيين ضمن إطار خلاف سياسي طبيعي بين دولتين، بل في سياق عمل ممنهج عبر الوكلاء لتقويض الدولة وإطالة أمد الصراع وتوسيع هامش الابتزاز الإقليمي.

وفي لبنان، لا تبدو العلاقة بين طهران وحزب الله مجرد تقاطع سياسي أو تعاطف أيديولوجي، بل علاقة رعاية وتمكين مالي وتنظيمي وعسكري مستمر، بما يجعل الحزب ذراع نفوذ متقدمة داخل مشروع إقليمي أوسع.

وعندما تُقرأ هذه الوقائع في ضوء النص المؤسس والمرجعية الفكرية للنظام، يصبح الحديث عن خلاف سياسي فقط تبسيطاً مخلاً، وتضليلاً ممنهجاً، لا تحليلاً دقيقاً لطبيعة التهديد.

ولذلك، فإن التوصيف الأدق لهذا الخلاف هو أنه سياسي في مظهره، أيديولوجي في بنيته، أمني في أدواته. وهذه الأبعاد الثلاثة لا يجوز فصلها إذا أردنا فهماً سليماً للمشهد. فالسياسة هنا ليست إلا الواجهة الظاهرة، بينما يعمل في العمق مشروع يوظف العقيدة في الشرعنة، والمذهب في التعبئة، والوكلاء في التمدد، والمال والسلاح والإعلام في ترسيخ النفوذ.

ومن ثم، فإن كل خطاب يصر على نزع البعد الأيديولوجي من المسألة لا يقدم قراءة ناقصة فحسب، بل يسهم، عن قصد أو عن غير قصد، في تمييع الخطر وتخفيف وضوحه أمام الرأي العام.

أما السؤال الأهم، فهو: من الذي يروّج لهذه الشبهة؟ في تقديري التحليلي، يمكن تمييز أربع دوائر رئيسة. أولاً، دائرة التبسيط الساذج، وهي التي تقرأ المنطقة بعقل دبلوماسي مسطح، فتتعامل مع كل أزمة كأنها قابلة للاحتواء بالأدوات نفسها.

ثانياً، دائرة البراغماتية المضللة، وهي التي تدرك البعد الأيديولوجي لكنها تتعمد تهميشه بحجة الواقعية السياسية أو أولوية التهدئة.

ثالثاً، دائرة التخادم الوظيفي والتوافق المنهجي، وهي الأخطر، لأنها تجد مصلحة مباشرة في تمييع وتضليل طبيعة المشروع الإيراني، سواء بحكم الالتقاء مع السرديات المعادية للدولة الوطنية، أو بحكم الاستثمار في خطابها الأيديولوجي الإرهابي لشرعنة التدخلات وتبرير الأذرع المسلحة.

ورابعاً، دائرة المنصات الدعائية المؤدلجة التي تعيد تقديم إيران بوصفها فاعلاً سياسياً عادياً، بينما تتجاهل النصوص المؤسسة والوقائع الميدانية التي تكشف بنية مشروعها الحقيقي.

ومن مقتضيات الوعي الاستراتيجي هنا ألا يقتصر الأمر على تفكيك هذا الخطاب نظرياً، بل أن تقترن المواجهة الفكرية، ببناء السردية المضادة، وبناء قدرات مؤسسية متقدمة لرصد الجهات والمنصات والحسابات والشبكات المروجة للأيديولوجيات الهدامة، وفهم خرائط ارتباطها، وتحليل دوائر تأثيرها، وتصنيف مستويات خطورتها، وتحديث قواعد المتابعة بشأنها بصورة منهجية وحازمة وفق القانون.

فالدولة الواعية لا تنتظر حتى تتحول الفكرة المؤدلجة إلى اختراق مجتمعي أو تسلل مؤسسي، بل تبادر إلى الرصد المبكر، والتحصين الوقائي، وتجفيف منافذ التغلغل قبل استفحالها في الوعي العام أو في بنية المؤسسات. فالتهاون مع البدايات الفكرية المنظِّرة يفتح الطريق، في الغالب، أمام اختراقات أكبر في الوعي، ثم في المجتمع، ثم في سلامة المؤسسات ذاتها.

وعليه، فإن الرؤية المتسقة مع منطق الدولة الوطنية، ومع النهج الإماراتي القائم على أولوية الاستقرار، وصون السيادة، ورفض الميليشيات، ورفض تسييس الدين، تقتضي تسمية الأشياء بأسمائها. فالمشكلة مع إيران ليست خلافاً سياسياً عابراً على مصالح أو نفوذ، بل خلاف مع مشروع يستخدم السياسة واجهة، والأيديولوجيا محركاً، والوكلاء أذرعاً، والمال والسلاح والإعلام أدوات ترسيخ وتوسع.

من يختزل الخلاف مع إيران في كونه خلافاً سياسياً فقط، إما أنه لا يدرك حقيقة المشروع الإيراني، أو أنه يدركها ويحاول حجبها. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة أوضح من أن تُطمس: نحن لا نواجه مجرد خلاف سياسي، بل مشروعاً أيديولوجياً توسعياً يعمل على تقويض الدولة الوطنية من الداخل قبل أن ينازعها من الخارج.

ومن هنا، فإن تفكيك شبهة الخلاف السياسي فقط ليس تحليلاً فكرياً فحسب، بل واجب وطني، ووعي ومسؤولية خطاب؛ لأن الخطأ في توصيف التهديد يقود دائماً إلى الخطأ في تقدير أدوات مواجهته.