كيف صارت باكستان وسيطاً في الحرب؟

تساءلت وتساءل معي مراقبون كثر عن أسباب اختيار باكستان وسيطاً في الحرب المشتعلة اليوم في الخليج بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، في الوقت الذي تخوض فيه إسلام آباد عملية «غضب الحق» العسكرية ضد حركة طالبان الأفغانية، وتدير وقفاً هشاً لإطلاق النار مع الهند، وتعالج اقتصاداً مريضاً مكبلاً بألف قيد وقيد.

وسواء أكان اختيارها وسيطاً ومكاناً لجولة مفاوضات حاسمة بين طهران وواشنطن تم باقتراح أمريكي وموافقة إيرانية، أو كان بروزها باقتراح من باكستان نفسها بهدف تحقيق مكاسب سياسية تحلم بتحقيقها، أو كان موافقتها على الوساطة بدعم من حليفتها الصينية خدمة للنظام الإيراني، ومنعاً لسقوطه الذي سيلحق حتماً أضراراً بأجندة بكين الشرق أوسطية، فإن الأمر المؤكد الآن هو أن باكستان رسمت لنفسها، لأول مرة منذ عقود، دوراً في التفكير الاستراتيجي الأمريكي طالما طمحت إليه، من أجل أن تمحو عن نفسها صورة الدولة غير الفاعلة سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً، على الأقل مقارنة بغريمتها الهندية.

في هذا السياق، يبرز دور قائد جيشها الحالي الجنرال، عاصم منير، الذي تمكن بنجاح من إرساء علاقات شخصية وودية مع سيد البيت الأبيض الحالي، دونالد ترامب، إبان المواجهة الباكستانية الهندية الأخيرة في مايو 2025، التي انتهت بوقف لإطلاق النار، زعم الأمريكيون أنه تحقق بفعل مساعيهم مع إسلام آباد ونيودلهي.

لكن السؤال الذي يبقى قائماً هو، ماذا رأت الأطراف المتنازعة في باكستان كي تختارها وسيطاً ومكاناً لتسوية أكبر نزاع عسكري من نوعه في العالم منذ الحرب العالمية الثانية؟ الحقيقة هي أن باكستان مهيأة للعب دور الوسيط، فهي دولة ليست عربية يُخشى انحيازها ضد إيران، ثم أنها مجاورة جغرافياً لإيران، ما يجعل الوصول إليها أسرع وأسهل. وهي بهذه الصفات أقرب إلى قلب المفاوض الإيراني. ومن جانب آخر، فإن باكستان، باعتبارها قوة نووية إقليمية، ربما تستطيع من وجهة نظر إيرانية، التوفيق بين إيران الطامحة لامتلاك قدرات نووية وبين الولايات المتحدة، الدولة الأكبر والأقوى نووياً.

أما الحماس الباكستاني على هذا الصعيد، فيمكن تفسيره على أنه خطوة على طريق تقديم نفسها لاعباً إقليمياً ذا مصداقية في أوقات الأزمات، خصوصاً بعد أن تدهورت مصداقيتها لدى دول الخليج العربية، على الأقل، بعد أن ثبت فعلياً أن شعاراتها وخطابها الرسمي حول التضامن مع السعودية وشقيقاتها الخليجيات والدفاع عنها ضد أي عدوان، كان مجرد كلام ينقصه الفعل. كما يمكن تفسيره على أنه محاولة لجني مكاسب مالية واقتصادية لاحقاً من أطراف النزاع، من خلال الادعاء بأن جهودها الدبلوماسية ونفوذها الإقليمي هما اللذان أنقذا المنطقة برمتها من خطر داهم كان يحيق بها.

وأخيراً، فأن تلعب باكستان دور الوسيط وتقدم أراضيها مسرحاً لمفاوضات معقدة، فإنها بذلك تخدم مصالحها الاستراتيجية الذاتية وتعزز أمنها القومي، حيث إن أي انهيار للنظام الحالي في إيران يحمل معه مخاطر تفتيت إيران كوحدة جغرافية سياسية، وبالتالي احتمال انفصال إقليم بلوشستان في كيان مستقل. ولا حاجة لنا للقول إن هذا هو أكثر ما يخشاه ساسة وعسكر الدولة الباكستانية لأنه سيغري وسيشجع بلوش باكستان على الاقتداء بإخوتهم من بلوش إيران، لاسيما أن إسلام آباد عانت وتعاني هجمات مسلحة يقوم بها ما يسمي بحركة جيش تحرير بلوشستان (BLA). بعيداً عما سبق، فإن نجاح إسلام آباد في وساطتها، إن تحقق، سوف يصب في مصلحة الصين التي تعد شريان الحياة الأكبر لطهران، والمستثمر الأضخم في البنية التحية لباكستان، لكنه إن لم يتحقق لأي سبب من الأسباب، فإنه سيلحق الضرر حتماً بصورة باكستان وسيحرجها دبلوماسياً، وسوف يمتد الأثر أيضاً إلى الصين المتطلعة إلى بقاء النظام الإيراني صامداً وقوياً، خدمةً لمصالحها.