الإمارات دولة مبادئ

في الأزمات تنكشف معادن الدول، بعضها ينكفئ، وبعضها ينفعل، وبعضها يفقد بوصلته.. أما دولة الإمارات فإنها تمضي بثبات، متمسكة بقيمها، واثقة من أن ما تبنته من مبادئ خلال عقود، لا يمكن أن يهزه ظرف طارئ.. هكذا تُدار الدول الكبيرة، وهكذا تكتب تاريخها.

عندما تعلو نبرة الشك، ويختلط الحق بالباطل، يخرج صوت الحكمة الإماراتية، هادئاً واثقاً متجرداً من الانفعال ليدحض الأكاذيب وينفي الشائعات، ويعبر عن نهج دولة الإمارات التي اختارت أن تكون أكبر وأسمى من الخضوع لردود الفعل المنفلتة من معايير الأخلاق، مهما كان حجم العدوان الذي تتعرض له.

من هذه الزاوية يمكن قراءة البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الإماراتية يوم الخميس الماضي، وأكدت فيه أن دولة الإمارات تحتضن جالية إيرانية تحظى بالاحترام والتقدير، وتشكل جزءاً من نسيجها المجتمعي، وتسهم في تعزيز تنوعه وانفتاحه، مشيرة إلى أن الدولة تضم أكثر من 200 جنسية، في تعبير واضح عن نهجها الثابت في ترسيخ قيم التعايش والتسامح، والتزامها الراسخ تجاه جميع من يقيم على أرضها.

البيان جاء رداً على ما تم تداوله من مزاعم إعلامية غير دقيقة بشأن أوضاع الإقامة للجالية الإيرانية، ليوضح أن الدولة تُطمئن المقيمين على أرضها بأن نهجها المؤسسي يقوم على أسس راسخة من الإجراءات والأطر المعتمدة، بما يصون سلامة ورفاه جميع أفراد المجتمع دون استثناء، ويؤكد التزام الدولة بمواصلة تعزيز بيئة آمنة ومستقرة، قائمة على سيادة القانون، بما يضمن حماية حقوق جميع المقيمين على أرضها، ويعكس قيمها الراسخة في التسامح والتعايش.

ليس جديداً أن تتبنى دولة الإمارات هذه اللغة، فهي لم تُبْنَ على رد الفعل، وإنما على الفعل؛ فعل التأسيس لقيم العيش، وفعل الإيمان بأن الإنسان هو القيمة العليا، مهما اختلفت جنسيته أو لغته أو معتقده. وليس جديداً أن تَثبُت الإمارات على هذه المبادئ في أشد اللحظات حساسية، حين تتعرض للاستفزاز، أو تواجه حملات التشكيك، أو تحاط بظروف إقليمية معقدة، وحين تتعرض لمخاطر كبيرة وعدوان سافر من جارة لم تُراعِ الجوار، خاصة أن الإمارات لم تتآمر على أمن إيران كي تتلقى منها كل هذا السيل من الصواريخ والمسيرات التي استهدفت منشآتها الحيوية، وأدت إلى استشهاد عدد من أبنائها والمقيمين على أرضها من مختلف الجنسيات العربية وغير العربية.

في هذا الظرف الدقيق، يأتي التأكيد على أن الجاليات في دولة الإمارات تحظى بالاحترام والتقدير، ليس بصفته بياناً دبلوماسياً فقط، وإنما على شكل حقيقة يمكن لمسها في تفاصيل الحياة اليومية في الأسواق والمؤسسات، والعلاقات الإنسانية التي نسجتها سنوات من التعايش. أكثر من 200 جنسية تعيش على أرض الإمارات، لا كأرقام في إحصاء، وإنما قصص نجاح، وتحقيق أحلام، وتفاعل حضاري مستمر، جعل من دولة الإمارات أنموذجاً فريداً في إدارة التنوع، مما لم يستطع حاملو هذه الجنسيات المختلفة تحقيقه في أوطانهم التي تشهد صراعات وحروباً بين مكوناتها متعددة العرقيات والأديان والمذاهب، ومنها إيران التي تعتدي على الإمارات، وترسل إليها الكم الأكبر من الصواريخ والمسيرات.. ورغم ذلك لا تنزلق دولتنا إلى منطق التعميم، ولا تسمح بأن يتحول الخلاف السياسي إلى قطيعة إنسانية. هنا تتجلى الفكرة التي طالما ميزت السياسة الإماراتية، فكرة التفريق بين الأنظمة والشعوب، وعدم تحميل الشعوب أخطاء وأوزار أنظمتها المستبدة الغاشمة، التي تحاول الهروب من معركتها الداخلية إلى معارك خارجية مكتوب عليها الفشل عاجلاً أو آجلاً.

هذا التفريق لا تنظر إليه الإمارات بصفته ترفاً أخلاقياً، ولكنه ضرورة حضارية، والإمارات دولة تؤمن بالمبادئ، وتنأى بنفسها عن الأفكار الضيقة.. فالدول التي تخلط بين الشعوب وأنظمتها، تجعل الأبرياء يدفعون ثمن قرارات لا علاقة لهم بها، والإمارات لا تعرض المقيمين على أرضها لذلك، ما لم ينخرطوا في أعمال تهدد أمنها واستقرارها.

من هنا، فإن نفي المزاعم الإعلامية غير الدقيقة بشأن أوضاع الإقامة للجالية الإيرانية في الإمارات ليس مجرد تصحيح لمعلومة مغلوطة، وإنما هو رسالة تؤكد قدرة الإمارات على حماية مجتمعها، وصون حقوق من يعيشون على أرضها، وتثبت أنها ليست نموذجاً ناجحاً فقط، ولكنها تجربة إنسانية متكاملة، تقدم للعالم مثالاً عملياً على إمكانية التعايش بسلام، في عالم يميل إلى الانقسام.