الإمارات تروي تراثها بلغة العصر

أحياناً يكفي أن تعبر رائحة الحطب في الذاكرة حتى أجد نفسي أمام مشهد قديم، حيث كانت تُحكى خراريفنا وحكاياتنا الشعبية التراثية بصوت دافئ، وتُحفظ في القلب وتلهب الخيال، هناك تشكلت هويتنا بهدوء، بعيداً عن صخب الشاشات وتسارع الإيقاع، أما اليوم وأنا أراقب أحفادي وهم يحملون الهاتف الجوال ويتنقلون فيه بمهارة لافتة، أجدني أمام سؤال عميق يرافقني كل يوم: كيف يمكن لهذا الجهاز الصغير أن يحمل خراريف الجدات، وزخم العرضة، وشموخ القلاع؟ كيف يمكن أن نمنح السنع الإماراتي حياة رقمية نابضة، يعيشها الجيل الجديد بكل حواسه؟

هذا السؤال أصبح أمانة ثقافية كبيرة نحملها جميعاً، فالمشهد كما أراه اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي وأرصده وأبحث فيه على منصات مثل إنستغرام وتيك توك والواتساب وغيرها، يشير إلى جهود منفردة بدأت تتشكل بوعي، حيث يتقدم مبدعون بخطوات جميلة لإعادة رسم الحكايات والخراريف باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مدركين قيمتها العالية وبدت لي جهودهم وكأنها تهدف إلى ضمان أن يبقى صوت الأجداد حاضراً في وجدان الأبناء، خلف كل شاشة وفي كل مساحة رقمية كقصة انتماء مستمرة لا تنقطع.

من وجهة نظري، فإن جوهر هذا التحول يكمن في القدرة على تقديم التراث بروح إنسانية حية، فالصورة تحمل قوة هائلة، وإذا ما أحسن استخدامها عبر الإضاءة، وزوايا التصوير، والإيقاع الموسيقي المستلهم من الأهازيج، فإنها تصنع تجربة بصرية قادرة على أن تأخذ الطفل والشاب إلى عمق الحكاية، وتغدو القصة الشعبية حضوراً معاصراً يلامس وجدان الجيل الجديد بلغة يفهمها ويحبها.

إن قصص الأطفال التراثية الإماراتية هي كنز غني بالقيم والمعاني، وتحمل في طياتها حكمة الأجداد وجماليات البيئة المحلية، ولا شك أن إعادة تقديم هذه القصص بصيغ بصرية حديثة، سواء عبر الرسوم المتحركة، أو الأعمال التمثيلية، أو باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، تفتح أمام الطفل باباً للتفاعل مع هويته بطريقة قريبة من عالمه، حين يرى الطفل شخصيات تراثه تتحرك أمامه بروح جمالية جذابة، يشعر بالفخر، ويتشكل لديه ارتباط عاطفي عميق مع تلك الحكايات التي كانت يوماً تروى في المجالس.

أريد أن أقدم رسالة شكر كبيرة إلى جميع الجهود الإماراتية الملهمة التي نجحت لغاية الآن في تقديم التراث بأسلوب قريب من روح العصر، واستطاعوا أن يجعلوا من المفردة التراثية مادة جاذبة، تصل إلى جمهور واسع، وتحظى بتفاعل كبير، حيث لاحظت أن هذه التجارب يقف خلفها هدف إنساني إماراتي عظيم، فهي تتمتع بالصدق في الطرح، ودقة المعلومة وجودة التنفيذ، وبالتالي فهي تصنع فارقاً حقيقياً، وتفتح المجال أمام جيل جديد من صناع المحتوى الذين يحملون التراث بروح معاصرة.

من الخراريف الإماراتية التي شقت طريقها بثقة إلى الفضاء الرقمي، حاملة معها ذاكرة المكان وروح الحكاية، خرافة «أم الدويس» التي حضرت بقوة في الأعمال الكرتونية والمحتوى التوعوي، وظهرت بشخصيتها المركبة التي تجمع بين الجاذبية والخطر، لتغرس في ذهن الطفل معنى الحذر والوعي، كما جاءت تجربة خراريف «أم سالم» بصوتها الدافئ لتعيد إحياء السرد الشفهي في قالب صوتي ومرئي قريب من وجدان الأسرة، وتنقل القيم بأسلوب بسيط يصل إلى القلب قبل العقل، وحكاية «بابا درياه» كامتداد لذاكرة البحر، وفي المقابل، تلوح أمامنا خراريف أخرى كثيرة تنتظر أن تروى بلغة الصورة، مثل «خطّاف رفّاي» الذي يحمل في طياته درساً عن الطمع، و«عليا الهلالية» التي تختزن معاني البطولة والذكاء، و«نجاة العيد» بما تحمله من بعد تربوي لطيف يمكن أن يلامس الطفل في مناسباته، وغيرها الكثير الكثير.

غير أن هذا المشروع الكبير يتطلب تكاملاً في الجهود، حيث يجب أن تتقاطع أدوار المؤسسات مع القطاع الخاص والمبدعين، ضمن رؤية موحدة تسعى إلى بناء محتوى رقمي يعكس قوة التراث الإماراتي، لأن دعم المؤثرين وتوفير بيئة إنتاج مناسبة، وربطهم بالخبراء، يسهم في صناعة جيل من سفراء التراث الذين يحملون القصة الإماراتية إلى العالم بثقة وإبداع.

وكذلك تبقى الأسرة هي الأساس، وهذه رسالتي لكل أسرة إماراتية، بحيث يبدأ الوعي الحقيقي داخل البيت، ويجلس الأب أو الأم مع الطفل لمشاهدة محتوى تراثي، ويتحاور معه حول معانيه، حتى تتحول التجربة إلى درس حي يرسخ القيم في الوجدان.

إن المستقبل يفتح أمامنا فرصة كبيرة لنحول هذا الاهتمام إلى أسلوب حياة، حيث يصبح التراث جزءاً من الحضور اليومي في الفضاء الرقمي، وتتحول المبادرات إلى حركة مستمرة يشارك فيها الجميع.. حين تتكامل الجهود، وتلتقي الرؤية مع الإبداع، يبقى التراث الإماراتي حاضراً بقوة، نابضاً بالحياة، ممتداً من ذاكرة الحطب إلى ضوء الشاشة، حاملاً معه قصة وطن يعرف كيف يحفظ روحه وهو يعانق المستقبل.