لو عاد ياقوت الحموي إلى الحياة، وأراد أن يكتب «معجم بلدان» جديداً، فماذا عساه أن يقول عن دبي حين يقف أمام روعتها الهندسية الساحرة، وجمالها الحضاري الخلاب، ونشاطها الإنساني الذي يتجاوز حد الوصف؟ هل سيرى موقعها بين مدن العصر الحديث وحواضره مثل موقع مدينة سمرقند في العالم الوسيط ؟ سمرقند التي قيل فيها: «إن الشمس لم تستقبل مدينة على الأرض أجمل من سمرقند»، وكذلك هي دبي، لا يختلف اثنان على أنها المدينة الأجمل والأروع والأرقى عيشاً على ظهر هذا الكوكب الدوار.

يا دانة الكون، أنتِ الطِيبُ والكرمُ

والسيفُ والرمحُ والقِرطاسُ والقلمُ

قد شاد مجدك فرسانٌ ذوو حَسَبٍ

من آل مكتوم، شجعانٌ لهم هِمَمُ

قد جاءك السعدُ والناموسُ مع رجلٍ

هو الجسارةُ والإقدامُ والشيَمُ

محمد الخير فخرُ الدارِ سيدُها

بدرُ اللياليَ مَنْ ضاءتْ به الظُلَمُ

أضحتْ دبي على الأيام شامخةً

مِثلَ الغَمامةِ يُسقي وَبْلها القِمَم

قبل قرنين من الزمان بدأت مدينة دبي رحلة البحث عن الذات، وإذا كانت بعض المدن محظوظة بالظروف السهلة للنشوء والارتقاء، فإن دبي مدينة صنعتها التحديات، ولم تكن رحلتها عبر مسيرتها الطويلة مفروشة بالورود، بل كانت مجبولة بعَرَق الآباء والأجداد، وسهر الغواصين في قاع البحار ليكون مسيرتها في التطور ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حين ذكر أن «تطور دبي حصل عبر أجيال وعقود وقادة» لتكون هذه الخلاصة المكثفة خير تعبير عن مسيرة هذه المدينة العظيمة نحو التميز والصدارة العالمية.

لقد تحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن المرحلة التاريخية المبكرة لمسيرة دبي في البحث عن الذات الحضارية حين خصص القصة الثامنة من سيرته الذاتية البديعة (قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً) والتي عنوانها (185 عاماً من البحث عن دبي) حيث أبدع في رصد التفاصيل العميقة لجذور التفكير المبكر في مستقبل دبي من لدن أجداده الكرام من آل مكتوم، لكن الإضاءة الكبرى لتاريخ دبي ومسيرتها في التطور جاءت في القصة الخامسة والثلاثين والتي جاءت عنوانها «الوجهة دبي»، حيث أبدع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في تصوير دبي كطائرٍ عنيدٍ ينبعث من الرماد ليُحلق في الأجواء العالية ويصنع سماءه الخاصة به، لا سيما بعد الانهيار الاقتصادي الكبير الذي ضرب العالم في ثلاثينيات القرن العشرين، وتأثرت تجارة اللؤلؤ في دبي بالهزات الارتدادية لهذا الزلزال الاقتصادي لتكون تلك الانبعاثة هي البوصلة التي ستهتدي بها دبي طول مسيرتها التاريخية المظفرة.

في هذه القصة البديعة من تاريخ دبي يستعيد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد صدى موقف قديم حصل معه وهو في العاشرة من عمره حين كان في زيارة إلى لندن بصحبة والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، وكان من جميل المصادفات أن يكون هذا الفتى اليافع واقفاً في مطار هيثرو، حيث ضجيج الحركة وروعة الحياة وحركة الطائرات التي استثارت انتباهه وجعلته يتساءل قائلاً: «إننا في دبي لدينا إمكانية لنكون مدينة كبيرة للتجار والزوار» ليظل هذا الحلم ساكناً في أعماقه لأكثر من عشرين عاماً حين صمم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على مفاتحة والده بشأن تصوره الجذري لمستقبل دبي كوجهةٍ عالمية مهما كانت التحديات، ففي نهاية السبعينيات قدم مخططه الكامل لخلق مدينة جديدة تكون وجهة للعالم الحديث، وقدم بين يدَي والده حديثاً مركزاً وصفه صاحب السمو بأنه كان يشتمل على أفكار تبدو مجنونة أحياناً، لكن الرغبة الصادقة والعزيمة النافذة لتغيير مستقبل دبي كانت كفيلة بتذليل كل العقبات التي ستعترض حتماً خطة ثورية بكل هذا العمق والمغامرة.

منذ خمسين عاماً انطلقت دبي كحصانٍ جامحٍ يخترق البراري ويتصبب عرقاً، ووضعت نُصب عينيها هدفاً لا تحيدُ عنه: الصدارة العالمية في جميع المؤشرات الحضارية التي تضمن لها المكانة الأولى على مستوى العيش، من حيث جودة الحياة وطبيعة البنية التحتية والخدمات الفائقة التطور، وليس المقام مُتسعاً لسرد جميع محطات النجاح والتفوق والريادة التي حصدتها دبي بكل جدارة واستحقاق، لكن سيرتها مع النجاح والتفوق هي محل إجماع العالم واحترامه، فضلاً عن تقليده واعتباره النموذج الأرقى في صناعة الحياة لتكون مدينة دبي قصة صنعتها الإرادة والتخطيط والتنفيذ والمتابعة والإيمان العميق بقدرتها على التجدد والفوز بالرهان، ولم تكن مدينة صنعتها الصدفة والارتجال والعشوائية، فهي مدينة نموذجية في النظام الذي ينطلق من وعي هندسي بروعة الحياة وجمالها، ولم يطُل الانتظار حتى خرجت الصُحف البريطانية لتقول: إن مطار دبي قد تجاوز مطار هيثرو في عدد المسافرين الدوليين، ليبتسم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ويقول: سبحان الله سبحان الله، متذكِراً تلك اللحظة الفاصلة حين شجعه والده بعد عرض مخططه لتطوير دبي وجعلها وجهة عالمية، وقال له الكلمة المعروفة في الثقة والتعزيز (الناموس).

لم تكن مسيرة دبي نحو الصدارة العالمية والتوهج الحضاري سهلة العبور وطريقاً مفروشاً بالورود، بل كانت مسيرة محفوفة بكثير من التحديات والمخاطر والعقبات التي لا يقوى على تجاوزها إلا صاحب إرادة لا تعرف المستحيل، وكانت تنجز ذاتها الحضارية بأصالة شخصية حالت بينها وبين ثقافة الإبهار، فهي تبهر الآخرين بإنجازها الحقيقي، وليس بثقافة الاستعراض، وربما كانت إنجازاتها سبباً في لفت الأنظار إليها على سبيل الغبطة أحياناً والحسد أحياناً أخرى، فهي تمتلك روحاً قتالية وقدرة على التكيف والمواجهة والحفاظ على الإيقاع الإيجابي للحياة إلى الدرجة التي تُثيرُ الإعجاب، ويكفي أن يُشار في هذا السياق إلى قدرة دبي على تجاوز الظروف المحيطة بالمنطقة بسبب ظروف الحرب، حيث تجلى ذلك في الخدمات المثالية التي قدمها مطار دبي في الوقت الذي تراجعت قدرات مطاراتٍ عالميةٍ أخرى عن استيعاب ظروف الأزمة، وما تفرضه من تحديات في ظل ظروف الحرب، لكن حكومة دبي ظلت في أفضل حالاتها وتجاوزت الظروف الصعبة، الأمر الذي جعل كثيراً من الزوار وصانعي المحتويات الإعلامية يُشيدون بهذه الكفاءة النادرة لمطار دبي الذي أعاد فتح أبوابه خلال 24 ساعة فقط، فقد كتب صانع المحتوى برايان بانك تعليقاً وإشادة بالإجراءات التي قامت بها إدارة المطار، جاء فيه: «المطار أعاد فتح أبوابه خلال 24 ساعة فقط بعد الأزمة، أسرع بكثير من أي مطار آخر شاهدته، حتى أسرع من هيثرو خلال المطر».

من بين آلاف العشاق لمدينة دبي الجميلة، يأتي صوت سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، حفظه الله، يأتي ليغني لدبي أجمل الألحان ويخاطبها بأعذب الكلمات التي يعبر بها عن حُبه الصادق العميق لهذه المدينة حين يقول:

يا اللي تِصيف بين لندن ومكناس

دبي تشرح خاطرك لو تِجيها

نسناس جو بلادي أسميه نسناس

علاج نفسٍ همها محتديها

كَنه عطر بنت لها قَد مياس

مِتكحلة ومحنياتٍ ايديها

مرت على شايب من الحب محتاس

سلم وقال البنت من هم ذويها

لكن أعظم وفاء لدبي هو ما قاله فارس دبي وصانع نهضتها الحديثة، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «أبي والخيل ودبي هي ذكرياتي الأولى عن طفولتي، أبي والخيل ودبي هي ذاكرتي التي ستبقى معي حتى النهاية».