الدولة الوطنية في مواجهة «الكماشة الأيديولوجية»

قراءة في التخادم الإخواني–الإيراني ومناعة النموذج الإماراتي في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، لا تُقاس خطورة الحركات المؤدلجة بما تعلنه من شعارات فحسب، بل بما تضمره من تصورات تجاه الدولة الوطنية.

ومن هذه الزاوية، تبدو العلاقة بين جماعة الإخوان الإرهابية والنظام الإيراني واحدة من أكثر العلاقات التباساً في المنطقة؛ فهي ليست تحالفاً عقائدياً صافياً، بحكم التمايز المذهبي والتاريخي، لكنها في الوقت ذاته ليست خصومة بنيوية تمنع التلاقي.

إنها، في جوهرها، علاقة تخادم وظيفي بين مشروعين عابرين للحدود، يختلفان في البنية المذهبية، لكنهما يلتقيان في نقطة مركزية؛ النظر إلى الدولة الوطنية بوصفها عائقاً أمام التمدد، لا إطاراً للولاء والانتماء الوطني.

هذه هي حقيقة ما يمكن تسميته بـ«الكماشة الأيديولوجية»؛ فمن جهة، تعمل جماعة الإخوان الإرهابية بمنطق التنظيم العابر للأوطان، حيث تتقدم الجماعة على الدولة، والولاء الحركي على مقتضيات الاندماج الكامل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الوطنية.

ومن جهة أخرى، يتحرك النظام الإيراني بمنطق «الثورة العابرة للحدود»، حيث لا تتوقف السياسة عند حدود الدولة الوطنية، بل تمتد عبر شبكات النفوذ والوكلاء والميليشيات، تحت عناوين أيديولوجية متداخلة. وبذلك، يجد الإقليم نفسه أمام مشروعين يتغذيان من هشاشة الدول، ويستثمران في الفراغات السيادية، ويقتاتان على الانقسامات الداخلية.

وليس من قبيل المصادفة أن الثورة الإيرانية عام 1979 تركت أثراً عميقاً في خيال تيارات الإسلام السياسي، بما فيها دوائر إخوانية؛ فهذه الثورة لم تُقرأ لديهم فقط بكونها حدثاً إيرانياً، بل لكونها نموذجاً نجح في تحويل الأيديولوجيا الدينية إلى سلطة حاكمة، وفي إسقاط نظام سياسي راسخ باسم «الثورة الإسلامية».

هنا تحديداً نشأ الإعجاب الإخواني، بإمكانات «التمكين الإيراني الثوري»؛ ومنذ تلك اللحظة، بدأ التماس والتقارب بشكل أكبر بين الجانبين يتجاوز الحساسيات والاختلافات كلما حضرت المصلحة السياسية وغاب منطق الدولة.

إن جوهر العلاقة الإخوانية – الإيرانية لا يكمن في التطابق، بل في المنفعة المتبادلة، فإيران رأت في بعض دوائر الإخوان جسراً نافعاً لاختراق المجال العربي، أو على الأقل طرفاً يمكن الإفادة منه في إعادة تشكيل موازين القوى.

وفي المقابل، نظرت جماعة الإخوان إلى إيران باعتبارها قوة إقليمية يمكن استثمارها في لحظات الاختلال أو الصراع، أو توظيفها كورقة ضغط في معادلات النفوذ.

وحين ننظر إلى هذه العلاقة بهذه العدسة، تتضح الصورة، بأننا أمام براغماتية أيديولوجية تجعل العداء المعلن قابلاً للتجميد متى اقتضت المصلحة، وتجعل التناقض العقدي قابلاً للتجاوز متى توفرت فرص التمدد.

وتبدو حركة حماس المثال الأكثر وضوحاً على هذا التخادم العملي، فهي حركة ذات جذور إخوانية، لكنها نسجت على مدى سنوات علاقة وثيقة مع إيران، شملت التمويل والتسليح والدعم اللوجستي، رغم ما اعترى العلاقة من تباينات ظرفية.

هذا المثال يكشف أن التنظيمات المؤدلجة تتحرك وفق خرائط القوة والنفوذ، فعندما يصبح السلاح والتمويل والغطاء الإقليمي عناصر حاسمة، تتراجع الحساسية والاختلافات أمام مقتضيات التمكين وبسط النفوذ.

كما أن تجربة الإخوان في مصر بعد 2012 قدمت دلالة أخرى على هذه البراغماتية، فمجرد الانفتاح على طهران في لحظة اقتراب الجماعة من السلطة عكس استعداداً لتليين التناقضات التاريخية إذا كان ذلك يخدم إعادة التموضع الإقليمي أو تحسين أوراق التفاوض.

وهنا تظهر الجزئية الرئيسية، ليس في وجود اختلافات بين الطرفين، بل في قابلية هذه الاختلافات للتجاوز كلما تعلق الأمر بإضعاف بنية الدولة الوطنية أو إعادة توزيع النفوذ داخلها.

ومن هنا، فإن الخطر الأكبر لا يتمثل في إعلان تحالف بين الإخوان وإيران، بل في مرونة التخادم بين مشروعين يلتقيان عند إضعاف منطق الدولة ونشر الفوضى والإرهاب.

فحين تُهمّش المواطنة، وتُخترق المؤسسات، وتُفتح الساحة أمام ولاءات ما فوق وطنية أو ما دون وطنية، تصبح الدولة ساحة اشتباك لا مرجعية جامعة، وتتحول الأزمات إلى فرص اختراق وتوسع، وهذا تحديداً ما يفسر كيف تنتعش مثل هذه المشاريع في البيئات الرخوة، ولماذا تتراجع أمام الدول التي تمتلك وعياً مبكراً، ومؤسسات قوية، ورؤية سيادية واضحة.

في هذا السياق، تبرز دولة الإمارات بحكمتها وتقديمها نموذجاً متقدماً في مواجهة هذه المشاريع الفوضوية.فالإمارات لم تتعامل مع خطر جماعات «الإسلام السياسي» الإرهابية والتنظيمات العابرة للحدود باعتباره خلافاً فكرياً عابراً، بل قرأته مبكراً بوصفه تهديداً مركباً يستهدف الوعي والسيادة وتماسك المجتمع.

لذلك جاءت استراتيجيتها شاملة وحازمة: حسم قانوني في مواجهة التنظيمات الإرهابية، تحصين فكري وثقافي ضد خطاب الكراهية والتجنيد، بناء مؤسسات فكرية تعلي قيم الاعتدال، تطوير أدوات متقدمة لمواجهة التطرف في الفضاء الرقمي والإعلامي، وترسيخ خطاب الوسطية والتسامح.

لقد أدركت دولة الإمارات أن حماية الدولة الوطنية لا يتحقق فقط بالأمن الصلب، بل كذلك بأمن الوعي الفكري، وبصيانة المجال العام من الاختراق الأيديولوجي.

ولهذا، فإن التجربة الإماراتية لا تمثل مجرد سياسة دفاعية، بل تعبر عن فلسفة دولة تؤمن بأن الاستقرار ليس حالة طارئة، وإنما مشروع بناء طويل المدى، أساسه المواطنة الواعية، وسيادة القانون، وكفاءة المؤسسات، وتجفيف البيئات التي تتغذى منها التنظيمات المؤدلجة.

وهذه الاستراتيجية هي التي منحت الإمارات قدرة استثنائية على تحصين جبهتها الداخلية، وعلى تقديم نموذج عربي وإقليمي وعالمي حديث يرى في الدولة الوطنية الضامن الأول للتنمية والازدهار والاستقرار.

ومن يتمعن في التاريخ يدرك بأن المعركة بين منطقين متناقضين؛ منطق الدولة الوطنية الذي يقوم على المؤسسات والسيادة والمواطنة والهوية، ومنطق التنظيم و«الثورة» الذي يعمل عبر الولاءات العابرة للحدود واستثمار الفوضى.

وكلما اشتدت مناعة وصلابة الدولة الوطنية، تراجعت قدرة هذه «الكماشة الأيديولوجية» على التمدد والاختراق؛ ومن هنا، فإن الدفاع عن الدولة الوطنية ضرورة حضارية وأمنية، وشرط أساسي لحماية المجتمعات من مشاريع الفوضى والأيديولوجيا العابرة للحدود.