الاختلاف هنا ليس رحمة

منذ اندلاع الحرب في منطقتنا ونحن نتابع القنوات الإخبارية، والخليجية منها على وجه الخصوص، وتغطيتها للأحداث.

وأستطيع القول إن هذه القنوات كلها تقريباً متقاربة في موقفها من هذه الحرب وأطرافها، مع اختلافات قليلة، عدا قناة واحدة، تشعر أن لها خطاً مختلفاً، هو أقرب إلى الموقف الإيراني من موقف الدول الخليجية، رغم أن هذه الدولة التي تبث منها من أوائل الدول التي تعرضت للقصف من قبل إيران في بداية الأحداث.

واضح أنني أتحدث عن قناة «الجزيرة» التي تبث من قطر، ولا أستطيع أن أسميها قطرية، لأن خطها يختلف عن خط دولة قطر الشقيقة، التي تدين العدوان الإيراني الغاشم، وتعتبره انتهاكاً لسيادتها، وتتلقى الضربة تلو الضربة منه.

يحدث هذا الاصطفاف من خلال مذيعي القناة ومراسليها في إيران، علماً بأنها القناة الإخبارية الخليجية الوحيدة التي لها مراسلون في طهران، كما يحدث من خلال المحللين الإيرانيين والعرب الذين تستضيفهم القناة، والذين يحاولون تأكيد تماسك الحكومة الإيرانية والجبهة الداخلية فيها، رغم ما تتعرض له من ضربات شديدة.

كما يحاولون تبرير قصف إيران لدول الخليج العربية والأردن، ويعبرونه رداً طبيعياً ومنطقياً، رغم أن هذه الدول نأت بنفسها عن الصراع الدائر في المنطقة قبل بدايته، وما زالت تنأى بنفسها عنه حتى اليوم، مع ما تتعرض له من قصف بالصواريخ والمسيرات من قبل النظام الإيراني والفصائل الموالية له.

والشيء نفسه ينطبق على موقف القناة من «حزب الله» اللبناني التابع لإيران، وأصدقكم القول إنني لا أستطيع أن أفهم هذا الموقف حتى الآن.

المعارك لا تُدار دائماً بالجيوش، ولا تُحسم بالصواريخ وحدها. ثمة سلاح أشد تأثيراً، هو سلاح الرواية. من ينجح في فرض روايته على الرأي العام، يربح نصف المعركة قبل أن تبدأ، وربما كلها دون أن يطلق رصاصة واحدة. هنا تحديداً يقف الإعلام، لا بوصفه ناقلاً للواقع، ولكن باعتباره صانعاً له. والتلاعب لا يكون دائماً بالكذب الصريح، ولكن بإدارة الضوء.

حدث يُضخَّم إلى حد الهوس، وآخر يُدفن في الهامش. ضحية تُستدعى صورتها كل ساعة، وضحية أخرى لا تجد من يذكر اسمها. انتهاك يُوصَف بالجريمة، وانتهاك مماثل يُسمّى حادثاً مؤسفاً. هنا نحن لا نتحدث عن اختلاف في الرأي، ولكن عن ازدواجية معيارية تُفرغ مفهوم العدالة من مضمونه.

الإعلام لا يكذب دائماً، وهذه واحدة من أكثر حقائقه إرباكاً. الإعلام يقول جزءاً من الحقيقة، لكنه يتقن فن الصمت عمّا تبقى. والحذف، في عالم التأثير، قد يكون أبلغ من التصريح. توقيت النشر، ترتيب الأخبار، حجم التغطية، اللغة المستخدمة، كلها أدوات ناعمة تصنع الانطباع العام، وتوجّه وعي الجمهور دون أن يشعر.

مع تنامي دور المنصات الرقمية، لم تعد السيطرة على الحقيقة حكراً على غرف الأخبار التقليدية. المنصة نفسها أصبحت سلطة. من يملك المنصة لا يملك الحقيقة، لكنه يملك الصوت الأعلى أحياناً، والصوت الأعلى ليس هو الأصدق، ولكنه الأكثر صخباً.

التكرار يصنع الألفة، والألفة تخلق التصديق، حتى لو كان المحتوى منقوصاً أو موجهاً. السردية العامة لا تُبنى صدفة. هي نتاج توازنات قوة، ومصالح سياسية واقتصادية، وأحياناً حسابات مزاج عام، وغالباً خلفية أيديولوجية.

المتلقي هنا ليس بريئاً تماماً. جزء من المشكلة أننا نحب الروايات السهلة، الواضحة، ذات الأشرار الواضحين والأبطال المحددين. الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك، وأكثر إزعاجاً أيضاً.

هي لا تمنحنا دائماً شعوراً بالراحة الأخلاقية، ولا تقدم لنا نهاية واضحة. الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تكون هناك رواية سائدة، ولكن في أن تُقدَّم هذه الرواية بوصفها الرواية الوحيدة الممكنة. عندها يصبح الاختلاف خيانة، والسؤال تشكيكاً، والبحث عن السياق ضرباً من العبث.

الوعي الإعلامي اليوم لم يعد رفاهية. هو ضرورة أخلاقية. أن نقرأ ما وراء الخبر والتحليل، أن نسأل عن الغائب كما نسأل عن الحاضر، أن ننتبه للصياغة بقدر انتباهنا للمعلومة. الحقيقة لا تحتاج إلى من يملك المنصة، الحقيقة تحتاج إلى من يملك القدرة للبحث عنها، ويملك الشجاعة لتقديمها كما هي دون تحريف.

يقول البعض، عند الحديث عن اختلاف العلماء، إن اختلافهم رحمة، لكن الاختلاف هنا ليس رحمة، لأنه اختلاف على المبدأ والمصير. الاختلاف هنا يزعزع أمن الأوطان لصالح الأعداء الذين يزعمون أنهم أشقاء.