يعتقد الإنسان - مغروراً - أنه يتميز عن المخلوقات الأخرى كافة لكونه بشراً ولديه عقل يفكر به ويتخذ القرارات المناسبة، إلا أنه في الواقع لا يعلم أن تميزه مسألة فيها نظر، فهو في أي لحظة يحمل - في داخله وعلى سطحه - عدداً من الكائنات الدقيقة تفوق عدد خلاياه البشرية.

والأدهى والأمرّ أن هذه الكائنات الدقيقة تتدخل في كل شؤونه، حتى التفكير واتخاذ القرارات، شاء أم أبى.

بالأمس كنا نصنف المواد الكيميائية الضارة من حولنا إلى: سام، مسرطن، متطفّر،....إلخ، بناء على آثارها الضارة على خلايانا البشرية. واليوم بدأنا ندرس آثار تلك المواد على من يشاطروننا أجسامنا.

بالأمس كنا نعتقد أن الصوت المسموع هو صوتنا، واليوم بدأنا ننتبه إلى المصادر المختلفة لصوتنا، إذ لم يعد الإنسان بشراً فحسب، وإنما نظام معقد تديره مجتمعات متعددة ومتباينة في الأصل والحجم والشكل، تتفاهم فيما بينها. قد لا نعي كيفية التواصل أو لغة التواصل بينها.

ولكننا ندرك اليوم تماماً أن هناك تواصلاً، وأن هناك إما تناغم بلطف رباني خفي وإما تباين وصراعات نتيجة لتدخل غير واعٍ من الذي يرى نفسه بشراً يمتلك ويحكم الجسد وما فيه.

هنا سأتطرق فقط إلى مجتمع ذكي، أصبحنا نعرف أدواره وآثاره على الجسد أكثر من جاراته من المجتمعات الدقيقة الأخرى.

سأركز هنا على المجتمع البكتيري أو أفراد من المجتمع البكتيري الذي يعيش على وفي أجسامنا، وكيف يؤثر حتى في تفكيرنا.

عقود مضت ونحن ننظر إلى البكتيريا نظرة دونية على أنها «العدو غير المرئي»، حاربناها بالمواد الحافظة، وبالمنظفات والمعقمات، وبالحرارة والبسترة والإشعاع، وإذا تمكنت من أجسادنا فالمضادات الحيوية لها بالمرصاد.

باختصار، لم نأل جهداً في اكتشاف الحلول المبتكرة للتخلص منها. ومع تقدم العلم وجودة الأبحاث بدأنا نكتشف حقائق مذهلة عن البكتيريا التي تسكن الأمعاء على سبيل المثال ودورها (مع المجتمعات الأخرى التي تسكن الأمعاء) في الهضم.

ودعم مناعة الجسم وإنتاج الفيتامينات الرئيسية ومزاج الشخص، وبالتالي الخسائر الصحية التي تنجم عن أي خلل في توازن النسيج البكتيري في الأمعاء.

فالأبحاث التي نشرت مؤخراً، تؤكد تورط بكتيريا الأمعاء في نشوء أو تطور العديد من الأمراض العصبية والصحة العقلية كباركنسون والزهايمر واضطرابات القلق.

إضافة إلى أدوارها في الذاكرة والتعلم وإنشاء وإنهاء الالتهابات في الدماغ، وهي كلها أدوار مثبتة علمياً.

لنتخصص أكثر ولنركز على أثر النسيج البكتيري المعوي على الدماغ كـ«عقل ثانٍ»:

نظراً للشبكة الواسعة للخلايا العصبية المبطنة للجهاز الهضمي والمعروفة باسم الجهاز العصبي المعوي والذي يتيح للنسيج البكتيري المعوي (وأيضاً للأحياء الدقيقة الأخرى الساكنة في الأمعاء) تواصلاً ثنائي الاتجاه وبشكل مستمر مع الدماغ، عبر ما يعرف بمحور الأمعاء-الدماغ.

وبالتالي التأثير على صحة الدماغ. فكما نعلم، النسيج البكتيري المعوي مسؤول عن إنتاج الكثير من المركبات التي تؤثر سلباً أو إيجاباً على الصحة العقلية والنفسية؟

فعلى سبيل المثال، بكتيريا الأمعاء تنتج تقريباً 95% من هرمون السعادة (السيروتونين) والناقل العصبي المهدئ (جابا)، وبالتالي فإنها تتحكم في مزاج الشخص ثم على قراراته.

ولكن هل يفكر النسيج البكتيري المعوي معك؟ هل هناك فعلاً علاقة بين النسيج البكتيري المعوي وقرارات الشراء وتقييم النتائج المستقبلية والبعد الزمني وعدم المخاطرة والحساسية أو العدالة الاجتماعية؟

مع أن الدراسات لا تزال في بداياتها إلا أنها تؤكد دور النسيج البكتيري المعوي على قراراتك وسلوكياتك. ففي دراسة سريرية أجريت في جامعة ماستريخت في هولندا.

ونشرت في 2022، تبين أن دعم وتعزيز أنواع معينة من البكتيريا ضمن النسيج البكتيري المعوي لدى أشخاص أصحاء جعلهم وبشكل ملحوظ أقل ميلاً للمخاطرة بالمال، وأصبحوا أكثر ميلاً إلى تأجيل الحصول على المكافآت لاختيار الخيارات ذات القيمة الأكبر في المستقبل.

كما أن دراسة سريرية ألمانية-فرنسية نشرت عام 2024 حول تأثير مزيج البكتيريا النافعة والألياف.

وجدت أن الأشخاص الذين تناولوا هذا المزيج كانوا يميلون إلى رفض العروض غير العادلة، ويظهرون حساسية واضحة للظلم وعدم الإنصاف مقارنة بنظرائهم الذين لم يتناولوا ذلك المزيج.

في عام 2024 نُشرت دراسة مراجعة شملت 37 بحثاً منشوراً حتى نهاية 2022، واستعرضت كيف يؤثر النسيج البكتيري المعوي على قرارات «متى/كم/ماذا نأكل»، وهي وإن كانت قرارات يومية بسيطة؟

إلا أنها تعكس بوضوح دور هذه البكتيريا في عملية اتخاذ القرار لدى الإنسان. يرى العلماء أن هذه الدراسات تفسر لماذا يتخذ البعض قرارات غير منطقية.

إن هذه الدراسات وإن كانت ناشئة وتحتاج إلى التكرار، فإنها تدقّ ناقوس الخطر وتشد انتباهنا إلى أهمية معرفة ما نتغذى عليه من حيث آثاره المباشرة وغير المباشرة على صحتنا الجسدية والعقلية، وخصوصاً على القرارات التي نتخذها بغير وعي و«نقرّ بأننا بكامل قوانا العقلية والإدراكية، ومتمتعون بالأهلية القانونية للتصرف».

في الختام، أيها القارئ الكريم، حينما تفكر أن تأكل أو تشرب، تأكد أن تختار ما يناسبك ويناسب أهل جسدك كما تفكر فيما يناسب أهل بيتك. وإن كان الأقربون أولى بالمعروف، فمن يتقاسمون معك الجسد، أولى وأولى بالمعروف. وتذكر المصير المشترك بينكم وأهمية حسن الجوار.