حين يصبح الأمن القومي هو أمن الإنسان

التعريفات التي يقدمها الخبراء لمفهوم الأمن القومي كثيراً ما تركز على الجوانب العسكرية بينما تضع الاقتصاد في مرتبة أدنى الأمن الاقتصادي. لكن الأهم من هذا وذاك أنها تنطوي على تركيز ضمني على الدولة أكثر من تركيزها على الإنسان.

والتركيز على الجوانب العسكرية يعني توجيه نظر المهتمين بالأمن القومي إلى التركيز على البعد الاستراتيجي ونظم التسلح وأنواعه والتطور التكنولوجي الذي تنطوي عليه، فتفرد مساحة واسعة لأنواع الأسلحة ومدى تفوقها على غيرها، وحجم القوات وأنماط تدريبها، فضلاً عن التطوير المستمر للاستراتيجيات والخطط من أجل تأمين حدود الدولة ومكافحة الأخطار التي قد تحيق بأرضها.

لكن «الدولة» وفق كل التعريفات ذات المصداقية، لها أضلاع ثلاثة، لا ضلع واحد، يحيط بها سياج مهم هو سياج السيادة. وتلك الأضلاع الثلاثة هي الأرض والحكومة والسكان.

ونحن إذ ندرس مفهوم الدولة، نؤكد على الطلاب أننا في تعريفنا للمفهوم نستخدم عمداً لفظ «السكان»، لا الشعب، كأحد أضلاع الدولة الثلاثة. فالسكان ليسوا بالضرورة شعباً كوحدة متماثلة من حيث النشأة واللغة والثقافة. فالدولة هي التي تصنع تلك الوحدة بين السكان الذين يعيشون على أرضها.

فهي التي توحدهم بناء على منظومة متكاملة، ليس فقط من الخدمات الاقتصادية والاجتماعية، وإنما أيضاً لأنها تكفل لهم ما يتخطى تلك المنظومة المادية إلى منظومة أخرى خاصة بشعورهم بالأمن الشخصي، وهذا تحديداً هو ما يعنيه ضرورة التركيز على الإنسان عند أي حديث عن «الأمن القومي»، وهو أيضاً الذي يوضح معنى «الدولة» في بلد مثل دولة الإمارات.

فإلى جانب المواطنين الذين يحملون جنسية الدولة، يعيش على أرض الإمارات الملايين ممن يحملون جنسيات كثيرة. وهم يتحدثون بعشرات اللغات، ويأتون من ثقافات وأديان شتى، وهم يعيشون معاً وفق روح إيجابية من التعايش والتسامح.

لذلك، فإن «مبادرة الإخوة الإنسانية» التي تبنتها دولة الإمارات في عام 2019 كانت تجسيداً لذلك المعنى الذي يضع الإنسان في قلب مفهوم الدولة، فالمبادرة كشفت عن السعي الحثيث نحو هدف الوحدة الإنسانية بغض النظر عن اللون والعرق والثقافة والدين.

ففي ذلك العام، التقى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، والبابا فرنسيس بابا الفاتيكان في ذلك العام، ووقعا «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي كان هدفها الرئيس هو البشر في كل أنحاء العالم، وإعلاء قيم التعايش السلمي والتسامح، ليس فقط في الإمارات، ولا في العالمين العربي والإسلامي، وإنما في العالم أجمع.

والحقيقة أن تلك الوثيقة التي تبنتها دولة الإمارات، وتم توقيعها على أرضها، تمثل الجوهر الحقيقي لمفهوم الأمن القومي.

فشيخ الأزهر وبابا الفاتيكان بعد أن أكدا بالوثيقة على أنهما يقدران «الجوانب الإيجابية» التي حققها التطور العلمي والتكنولوجي من قفزات خدمت البشرية، فإنهما أشارا إلى أن تلك القفزات المهمة، صاحبها تراجع في «الأخلاق الضابطة للتصرفات»، الأمر الذي «أسهم في نشر شعور عام بالإحباط والعزلة واليأس» لدى ملايين البشر حول العالم، وما يترتب عليهما من فقدان الشعور بالأمن الذي تحدثت عنه الوثيقة في أكثر من موضع.

وقد تم تعزيز الوثيقة عبر التركيز على الأجيال الشابة من خلال الفعاليات والجوائز، كان آخرها العام الماضي عبر مبادرة طلبة البكالوريوس من الجامعات المختلفة للتواصل والحوار العابر للثقافات والأديان.

وهذا هو بالضبط المقصود بالأمن القومي الذي يضع الإنسان في المقدمة. فشعور الإنسان نفسه بالأمن هو جوهر مقومات الأمن القومي، وبدونه تصبح باقي المقومات خالية من المضمون الحقيقي، ولعل هذا المعنى تحديداً هو الذي يتجلى في الظروف الدقيقة مثل تلك التي تعيشها الإمارات اليوم.

فالأمن القومي ليس مجرد أسلحة متطورة ونظم دفاع عن الأرض، وإنما هو أيضاً شعور البشر أنفسهم بالأمن والأمان.