يطل علينا عيد الفطر هذا العام بشكلٍ استثنائي، فيما تمضي المنطقة في سياقٍ إقليميّ مضطرب الإيقاع، وتبقى الإمارات متمسكة بذلك الهدوء العميق الذي يليق بالأوطان التي تمضي بخطى واثقة، وفي مثل هذه الأيام، يتجلى العيد كحالةٍ وجدانيةٍ راسخة، تتنفسها البيوت في دفئها الممتد، وتستحضرها المجالس كإرثٍ حيّ، حيث تغدو الطمأنينة فعلاً يومياً يمارسه المجتمع بوعيٍ أصيل، متجاوزاً صخب التحولات من حوله، لينسج من تفاصيل الاستقرار أبجدية مألوفة، لتعم السكينة ربوع الوطن الغالي مع تكبيرات العيد وابتهال الدعوات الصادقة.
فالعيد في وطني يشبه بيتاً إماراتياً تُسكب فيه القهوة بثلاثية الكرم، بضيافة الضيف، وصفاء الكيف، وهيبة السيف، لا تبدو تفصيلاً عابراً، بل امتداداً لمنظومةٍ تعرف كيف تمنح الإيماءة وزنها، فنجان الضيف يليق بالمقام، وفنجان الكيف يصفّي اللحظة، وفنجان السيف يستحضر ما في الذاكرة من نخوةٍ وهيبة، وفي اجتماعها ما يشبه سيرة الوطن، كرم لا ينفصل عن الوقار، وألفة لا تفقد هيبتها، وتقاليد بقيت حيّة لأنها عاشت في الممارسة وتجذرت في الذاكرة، لتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ومحيطه في أبسط صورها وأكثرها صدقاً.
ويشبه العيد وطني المتحد بالحب، كتلافيف سرود عتيق نسج بالفخر، تفترشه الذاكرة كل عام من جديد، وحوله تتشكّل الألفة في صورتها الأولى من غير تكلف، وهناك يتجلّى معنى البيت الإماراتي، في اتساعه للناس وهدوئه وطمأنينته، وقدرته على أن يجعل من الاجتماع العائلي امتداداً لمعنى أعمق، واستعادة لشيء ثابت لا يتأثر بسهولة بتغيّر الأزمنة، وفي هذا المشهد لا تبدو الأصالة شعاراً، بل تكون سلوكاً يومياً هادئاً يظهر في ترتيب المجلس، وفي إيقاع الاستقبال، وفي ذلك الروتين العذب تمضي أصالة أعرافنا وتأديتنا لشعائر الله بقلوب مطمئنة.
ويحضر العيد في ربوع وطني في تلاقٍ حميم يشبه نقوش الحناء العربية بكفوف جداتنا، كأثرٍ دافئ لا يبهت، وجمالٍ يعرف كيف يبقى راسخاً في الوجدان، وفي تلك الكفوف ما يتجاوز الزينة إلى المعنى، في حنان البيوت الأولى، وذاكرة النساء اللواتي صُنّ للفرح بساطته، وللمحبة في شكلها الأصدق، فالحناء رمزٌ دافئ، وعلامة وفاءٍ لزمنٍ ظلّ حاضراً في الروح مهما تبدلت المظاهر من حولنا، وشاهد على أن ثمة أشياء اختارت ألا تمضي مع ما مضى، وفي هذا الثبات الهادئ ما يذكّر بأن بعض الجمال لا يقاس بحداثته، بل بقدرته على البقاء، وعلى أن يعيد إنتاج نفسه في كل جيل دون أن يفقد شيئاً من ثوابته وجذوره، وهذه الديناميكية الفريدة هي ما تميز وطني الحبيب الذي يرى في الهوية والإرث تميمة انتماء لا تفنى.
ثم تأتي رائحة العباق والعود لتكتمل الصورة، رائحة تسبق الزائر، وتمنح البيت حضوره ودفأه، وهذه التفاصيل التي تراكمت عبر الأجيال أصبحت لغة اجتماعية كاملة، يفهمها كل من وطأت قدمه عتبة بيتٍ إماراتي، ويحملها في ذاكرته كما يُحمل العطر في طيّات الثوب، ومن خلالها يظهر الوطن كما هو في وجدان أهله، قريباً وأصيلاً ومطمئناً ومتماسكاً، حتى تمتدّ هذه اللحظات من بيتٍ إلى آخر، ومن زيارةٍ إلى أخرى، في تواصلٍ عميق لا ينقطع، وألفة تتجذر في الروح.
وحين يطل العيد في هذا التوقيت، تزداد هذه التفاصيل قيمة، فما نعيشه من أحداث استثنائية يجعل التمسك بالسكينة وعياً، ويجعل الحفاظ على تماسك البيوت والعائلات وجهاً من وجوه القوة، لا يبدو العيد هنا انفصالاً عما يجري، بل تعبيراً راقياً عن قدرة الوطن على حماية نسيجه الداخلي، وإبقاء الطمأنينة حيّة في النفوس، وصون معانيه الكبرى في أبسط ما يعيشه الناس، كأن الاستقرار هنا ينبع من داخل المجتمع نفسه، ويتجدد كل مرة من خلال هذه الطقوس الصغيرة التي تحمل في داخلها معنى الاستمرار.
لهذا يشبه العيد وطني، يشبهه في سكينته، وفي أصالته، وفي ذلك الجمال الذي ترسّخ في الوجدان قبل أن يُصاغ بالكلمات، وما يبدو في الظاهر مشهداً من مشاهد العيد، ليس في جوهره إلا صورة مكثفة لوطنٍ نجح في أن يجعل من قيمه حياة يومية، ومن تفاصيله الصغيرة معنى كبيراً، ومن العيد وجهاً آخر لهويته التي تبقى - مهما تبدلت الظروف - ثابتة في الروح وقريبة من القلب.