حفظ الله الإمارات وأهلها

أحد المواطنين العرب يعمل في دبي، في حين أن زوجته وأولاده يعيشون في بلدهم الأم. حينما شنت إيران عدوانها على الإمارات وبقية دول الخليج يوم 28 فبراير الماضي، اتصلت الأسرة بابنها ترجوه أن يعود إلى بلده حفاظاً على حياته.

الابن رفض بإصرار وقال لأسرته، لن أعود وسأظل موجوداً، فالحياة حولي لم تتغير والأمن والأمان في مستواه الطبيعي. الزوجة وبعد رد زوجها قررت السفر إلى الإمارات للالتحاق بزوجها.

هذه القصة عرفتها في الأيام الماضية، وكنت أعتقد أنها حالة خاصة ونادرة، لكن وفي الأيام التالية للعدوان، سمعت عشرات القصص المشابهة التي تعكس توافر شعور الناس الحقيقي بالأمن.

إذاً الأمر ليس مجرد حالات فردية، بل اتجاه عام.

فقد نقلت العديد من وسائل الإعلام العديد من القصص لموظفين من بلدان مختلفة أوروبية وآسيوية وعربية وأفريقية يعملون في البنوك وشركات الاستثمار، والعديد من قطاعات الأعمال المختلفة في الإمارات، أنهم اختاروا البقاء في الإمارات لأنها من أكثر دول المنطقة أماناً واستقراراً.

وكذلك لثقتهم في قدرة الحكومة الإماراتية على حماية البنية التحتية الحيوية، إضافة لارتباطهم بعقود عمل طويلة واستثمارات مستقرة في دولة الإمارات.

بعد نشوب الحرب قرأت قصصاً أيضاً عن أجنبيات لا يرين البلاد مجرد مكان للعمل وكسب العيش، ولكن وطناً ثانياً.

عدد من المقيمين قالوا بوضوح إنهم يثقون أن الدولة الإماراتية تمتلك القدرة الكاملة على حماية البلاد من كل الاعتداءات، وهو ما ظهر في التصدي لمعظم الهجمات والاعتداءات التي تعرضت لها البلاد.

نعرف أن العديد من الدول طلبت من رعاياها مغادرة ليس فقط دولة الإمارات، ولكن معظم بلدان الخليج، لكن كان من الملاحظ جداً مثلاً أن غالبية الجاليات رفضت المغادرة، وأصرت على الاستمرار في الإقامة والعيش في الإمارات.

والمعلوم أن وزارة الخارجية الأمريكية قدمت العديد من التحذيرات لرعاياها، بل وطلبت منهم المغادرة في كل دول مجلس التعاون.

لكن غالبية هذه الجالية فضلوا واختاروا البقاء في الإمارات، وقالوا بوضوح إنها تظل الأكثر أماناً واستقراراً نسبياً في المنطقة.

عدد من هؤلاء الأمريكيين قالوا بوضوح إنهم يعيشون في دبي وأبوظبى منذ سنوات، ولديهم عائلات وأطفال وطلاب في المدارس والجامعات، والأهم أنهم يشعرون بالأمان، لذلك رفضوا المغادرة.

ورغم أن العديد من الدول قامت بإجلاء موظفيها غير الأساسيين في بعض دول المنطقة، فإن الوضع كان مختلفاً إلى حد كبير في الإمارات التي يرى هؤلاء أنها تتميز بمناخ حقيقي من الأمن والأمان.

المغزى الحقيقي من وراء سرد هذه القصص للكثير من المقيمين في الإمارات واختيارهم بمحض إرادتهم عدم مغادرتها، أنه أكبر رد على العدوان الإيراني وأنه لن يحقق مبتغاه وهدفه.

إصرار المقيمين على البقاء في الإمارات يعني أن كل التهديدات والاعتداءات لم تنجح في تحقيق هدفها الجوهري وهو إثارة الهلع في نفوس الناس ودفعهم إلى المغادرة.

حينما قرأت القصص السابقة لم أكن مندهشاً، فقد أمضيت عشر سنوات كاملة في دولة الإمارات العربية المتحدة، في الفترة من نهاية فبراير ١٩٩٨ وحتى ٢٨ سبتمبر ٢٠٠٨. وعدت بعدها إلى القاهرة حاملاً أفضل الذكريات والصداقات والعلاقات الإنسانية التي ما تزال قوية حتى هذه اللحظة.

سكنت وعملت في دبي لمدة عامين، ثم انتقلت للسكن في الشارقة، وكنت أنتقل منها يومياً إلى مقر العمل في دبي، وزرت بقية الإمارات الخمس مراراً وتكراراً، خصوصاً أبوظبي وعجمان ودخلت بيوت العديد من الزملاء والأصدقاء الإماراتيين والمقيمين.

ومنذ عودتي إلى القاهرة قبل ١٨ عاماً، لم تنقطع زياراتي للإمارات لحضور فعاليات مختلفة، خصوصا ًمنتدى الإعلام العربي وجائزة الصحافة العربية في دبي، أو معرض الكتاب في الشارقة.

المقدمة السابقة كانت مهمة للتأكيد على ضرورة التضامن مع شعب الإمارات وكل شعوب الخليج وهم يواجهون بشجاعة الهجمات الإيرانية منذ بدء الصراع بين إيران وكل من أمريكا وإسرائيل في ٢٨ من فبراير الماضي.

خلال إقامتي في الإمارات، وأثناء زياراتي التالية والمتكررة لها وآخرها العام الماضي لمست حجم الأمن والأمان الذي تنعم به هذه الدولة.

أتذكر أنني كنت أجلس في ميدان الساعة أو «جمال عبدالناصر» في قلب دبي وسط الميدان، فأجد على يميني مواطناً أفريقياً، وعلى يساري مواطناً من أمريكا اللاتينية، وثالثاً آسيوياً.

خلال الإقامة في الإمارات تنقلت بين أكثر من شقة سكنية في دبي، والشارقة. كان جيراني من جنسيات شتى. الجميع كانوا يعيشون في سلام ووئام رغم الفوارق الضخمة في العادات والتقاليد والثقافات والأديان والمذاهب والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

دولة الإمارات تمكنت من تقديم نموذج تعايش إنساني متميز يندر أن تجد مثيلاً له إلا في قلة من الدول الغربية المتقدمة، وأظن أن هذا أحد الأسباب الجوهرية التي تجعل غالبية المقيمين فيها يشعرون بالأمن والأمان.

كل الدعم والتضامن مع الإمارات وشعبها وكل عرب الخليج في هذه الظروف الصعبة.