سيكون لكل حادث حديث

في أوقات الحروب تتكشف المواقف الحقيقية، وتُختبر الشعارات التي ظلت تتردد طويلاً في الخطاب السياسي والإعلامي. فالحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش ودول، الحرب لحظة كاشفة لصدق الانتماءات؟

ولطبيعة الاصطفافات التي تختبئ أحياناً خلف لغة فضفاضة تتحدث باسم الأمة وقضاياها الكبرى. وما شهدته منطقتنا خلال الحرب الأخيرة أعاد طرح أسئلة قديمة حول معنى الولاء، وحدود المواقف، والفارق بين الخطاب والممارسة.

لقد كان الاعتداء الإيراني على دول الخليج العربي حدثاً بالغ الخطورة، ليس فقط لأنه استهدف دولاً ذات سيادة، ولكن لأنه مسّ إحدى أهم ركائز الاستقرار في المنطقة العربية.

فدول الخليج العربي كانت على مدى عقود تمثل عنصر توازن اقتصادي وسياسي في محيطها العربي والإقليمي، كما أنها أسهمت في دعم كثير من الدول العربية والإسلامية في أوقات الأزمات، سياسياً واقتصادياً وإنسانياً.

لذلك فإن الاعتداء على هذه الدول لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثة عابرة أو خلافاً سياسياً محدوداً، ولكن باعتباره اعتداءً على منظومة الاستقرار العربي برمتها.

فاستقرار الخليج العربي كان دائماً جزءاً من استقرار العالم العربي، وأمنه ظل مرتبطاً بأمن المنطقة بأكملها، وهو ما أدركته الدول العربية وشعوبها عبر عقود طويلة من التجارب والتحولات.

غير أن المفارقة التي لفتت انتباه كثيرين خلال هذه الحرب تمثلت في اصطفاف بعض الدول العربية والجماعات الأيديولوجية إلى جانب إيران، رغم أن هذه الأخيرة كانت الطرف المعتدي على دول الخليج العربي.

وقد بدا هذا بالنسبة لكثير من المراقبين تعبيراً عن مفارقة حقيقية بين الخطاب الذي ترفعه هذه الدول والجماعات منذ عقود، وبين الموقف الذي اختارته عندما تعرّضت دول عربية شقيقة لاعتداء مباشر.

فقد كشفت الأحداث أن هذه الدول والجماعات، بما فيها جماعة «الإخوان»، التي تزعم بأنها تدافع عن قضايا الأمة، تتراجع عن هذه الشعارات عندما تتعارض مع الحسابات السياسية أو الأيديولوجية لبعض التيارات المرتبطة بها.

فبدل أن يكون الاعتداء على دول الخليج العربي سبباً لموقف واضح في الدفاع عن سيادة الدول العربية، رأينا خطاباً يبرر أو يقلل من خطورة هذا الاعتداء، أو يضعه في سياقات سياسية تبتعد عن جوهر القضية.

إن التجارب التاريخية في منطقتنا أظهرت مراراً أن التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود تنظر إلى الأحداث من زاوية مشروعها السياسي الخاص، أكثر مما تنظر إليها من زاوية مصالح الدول والشعوب.

ولهذا فإن مواقفها تكون بعيدة عن المزاج العام للشعوب العربية التي ترى في استقرار دولها وأمنها أولوية لا يمكن التفريط بها.

في المقابل، أثبتت دول الخليج العربي، خلال هذه الأزمة، تمسكها بثوابت الدولة الوطنية ومفهوم السيادة.

فقد تعاملت مع الاعتداء باعتباره مساساً مباشراً بأمنها واستقرارها، وهو موقف طبيعي لأي دولة تحترم سيادتها ومسؤوليتها تجاه شعبها.

كما أن هذه الدول، عبر تاريخها، أثبتت أنها كانت دائماً جزءاً من منظومة العمل العربي المشترك، وسنداً لكثير من القضايا العربية في أوقات الشدة، في حين أنها دائماً ما تُقابَل بالنكران عندما تتعرض للاعتداء.

كما حدث أثناء أزمة احتلال الكويت من قبل نظام صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي، ومثلما يحدث اليوم وهي تتعرض للاعتداء الغاشم من قبل النظام الإيراني.

ما يقال عن جماعة «الإخوان»، ينطبق على مواقف بعض الدول العربية التي اصطف بعضها إلى جانب إيران المعتدية بشكل صريح، في حين دعت دول إلى وقف التصعيد واحترام سيادة الدول فقط دون أن تذكر الدولة المعتدية إيران بالاسم، بينما لاذت دول أخرى بالصمت في موقف أقل ما يقال عنه إنه مريب.

هذا على مستوى الدول والجماعات، أما على مستوى الأفراد فقد انحاز بعضهم إلى الجانب الإيراني بشكل صريح.

وتحولوا إلى منابر للدفاع عن المعتدي بدلاً من الوقوف إلى جانب المعتدى عليه، وكانت صدمتنا كبيرة في بعض الذين كانوا ضيوفاً دائمين على المنتديات والملتقيات الخليجية.

سوف تمر هذه الأزمة، وسنخرج منها أقوى، مثلما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لكن ما بعد الأزمة لن يكون مثل ما كان قبلها، فقد تعلمنا الدرس جيداً، وسيكون لكل حادث حديث.