ولطبيعة الاصطفافات التي تختبئ أحياناً خلف لغة فضفاضة تتحدث باسم الأمة وقضاياها الكبرى. وما شهدته منطقتنا خلال الحرب الأخيرة أعاد طرح أسئلة قديمة حول معنى الولاء، وحدود المواقف، والفارق بين الخطاب والممارسة.
فدول الخليج العربي كانت على مدى عقود تمثل عنصر توازن اقتصادي وسياسي في محيطها العربي والإقليمي، كما أنها أسهمت في دعم كثير من الدول العربية والإسلامية في أوقات الأزمات، سياسياً واقتصادياً وإنسانياً.
لذلك فإن الاعتداء على هذه الدول لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثة عابرة أو خلافاً سياسياً محدوداً، ولكن باعتباره اعتداءً على منظومة الاستقرار العربي برمتها.
وقد بدا هذا بالنسبة لكثير من المراقبين تعبيراً عن مفارقة حقيقية بين الخطاب الذي ترفعه هذه الدول والجماعات منذ عقود، وبين الموقف الذي اختارته عندما تعرّضت دول عربية شقيقة لاعتداء مباشر.
فقد كشفت الأحداث أن هذه الدول والجماعات، بما فيها جماعة «الإخوان»، التي تزعم بأنها تدافع عن قضايا الأمة، تتراجع عن هذه الشعارات عندما تتعارض مع الحسابات السياسية أو الأيديولوجية لبعض التيارات المرتبطة بها.
فبدل أن يكون الاعتداء على دول الخليج العربي سبباً لموقف واضح في الدفاع عن سيادة الدول العربية، رأينا خطاباً يبرر أو يقلل من خطورة هذا الاعتداء، أو يضعه في سياقات سياسية تبتعد عن جوهر القضية.
ولهذا فإن مواقفها تكون بعيدة عن المزاج العام للشعوب العربية التي ترى في استقرار دولها وأمنها أولوية لا يمكن التفريط بها.
في المقابل، أثبتت دول الخليج العربي، خلال هذه الأزمة، تمسكها بثوابت الدولة الوطنية ومفهوم السيادة.
فقد تعاملت مع الاعتداء باعتباره مساساً مباشراً بأمنها واستقرارها، وهو موقف طبيعي لأي دولة تحترم سيادتها ومسؤوليتها تجاه شعبها.
كما أن هذه الدول، عبر تاريخها، أثبتت أنها كانت دائماً جزءاً من منظومة العمل العربي المشترك، وسنداً لكثير من القضايا العربية في أوقات الشدة، في حين أنها دائماً ما تُقابَل بالنكران عندما تتعرض للاعتداء.
كما حدث أثناء أزمة احتلال الكويت من قبل نظام صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي، ومثلما يحدث اليوم وهي تتعرض للاعتداء الغاشم من قبل النظام الإيراني.
وتحولوا إلى منابر للدفاع عن المعتدي بدلاً من الوقوف إلى جانب المعتدى عليه، وكانت صدمتنا كبيرة في بعض الذين كانوا ضيوفاً دائمين على المنتديات والملتقيات الخليجية.