أوفى من السموأل

حين قُتل حجر بن الحارث الكندي، ملك كندة، على يد بني أسد، تبدّلت حياة ابنه امرؤ القيس. حاول في البداية جمع القبائل للثأر واستعادة ملك أبيه، وتنقّل بين بطون العرب طالباً النصرة.

لكن المحاولات لم تنجح وتفرّق من حوله من ناصروه. ومع مرور الوقت أدرك أن استعادة ملكه داخل الجزيرة العربية باتت صعبة، فقرر التوجه إلى قيصر الروم طلباً للدعم.

وقبل أن يغادر، كان مع امرئ القيس عدد من دروعه وسلاحه، وهي من أثمن ما يملك، وفي طريقه شمالاً مر بواحة تيماء، حيث يقيم السموأل بن عادياء، سيد قومه وصاحب الحصن المعروف بـ«الأبلق».

هناك أودع عنده دروعه أمانة حتى يعود من رحلته. غير أن الرحلة لم تكتمل؛ فقد مات امرؤ القيس في طريقه، وبقيت الدروع محفوظة في الحصن كما تركها.

وبعد موته، جاء أعداؤه إلى تيماء يطالبون بتسليمها. وقفوا عند الحصن يدعون السموأل إلى تسليم ما عنده، لكنه رفض، مؤكداً أن ما أُودع عنده أمانة لا يسلّمها إلا لصاحبها أو لمن يقوم مقامه.

ولما عجزوا عن اقتحام الحصن، لجأوا إلى وسيلة أخرى للضغط. قبضوا على ابن السموأل الذي كان خارج الحصن، ثم نادوا أباه يخبرونه أن ابنه في أيديهم، وأنهم لن يطلقوه ما لم تُسلَّم الدروع.

لكن السموأل بقي على موقفه، متمسكاً بالعهد الذي قطعه. ولما أصر على رفضه نفّذ القوم تهديدهم فقتلوا ابنه، بينما بقيت الدروع في الحصن لم تُسلَّم.

ومنذ ذلك الوقت ظل العرب يروون قصته مثالاً على الوفاء بالعهد، حتى صاروا يقولون في وصف من بلغ الغاية في حفظه: «أوفى من السموأل».

قراءة التاريخ تكشف كثيراً من المواقف التي تختبر القيم حين تتعارض مع المصالح.

وفي صفحاته نماذج متعددة؛ منها ما يخلّد الوفاء ويجعله مضرباً للمثل، ومنها ما يسجل الغدر والخيانة والتزييف، فلا تختفي آثارها مهما حاول أصحابها تبريرها أو طمسها. فالتاريخ لا يدوّن الوقائع فحسب، بل يترك لكل موقف اسمه ومعناه في الذاكرة. وقد بقي اسم السموأل في الذاكرة العربية مثالاً للوفاء عبر القرون.