خلال هذا الشهر المبارك وجدت الفرصة سانحة للقاء صاحب السمو الشيخ سعود بن راشد المعلا، عضو المجلس الأعلى حاكم أم القيوين، والسلام عليه والمباركة له بهذا الشهر الفضيل. وشرفني صاحب السمو بتبادل نقاش طويل رمضاني عميق معرفياً، فكانت أمسية زاخرة بالمعرفة والثقافة، بحضور سمو الشيخ راشد بن سعود بن راشد المعلا، ولي العهد، والشيوخ الكرام، وعدد من ضيوف سموه الأفاضل.
تحدث صاحب السمو عما يواجه بلادنا اليوم من هجمة غادرة طالت الإمارات الحبيبة، وعن وقوفنا جميعاً صفاً واحداً خلف القائد الحكيم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مستعدين بأنفسنا وأموالنا أن نفدي وطننا الغالي العزيز.
ولأن صاحب السمو الشيخ سعود بن راشد المعلا يعلم شغفي بالتراث فقد تطرق سموه إلى الموضوعات التراثية، ولفت انتباهي دقة صاحب السمو الشيخ سعود وهو يتحدث عن تفاصيل عميقة في الموروث الثقافي، بدقة الخبراء المخضرمين أصحاب الرأي الرفيع، ما شجعني لأكتب عن التراث في أم القيوين، من زاوية أخرى غير التي تناولتها في مقالي العام الماضي.
بالطبع فلدي شغفي الخاص بمتابعة الأبحاث الأثرية الحديثة، والتي تكشف عن طبقات أعمق وأكثر إثارة للدهشة، تعيد كتابة تاريخ إمارة أم القيوين والإقليم بأكمله، ففي جزيرة السينية وحدها اكتشف فريق من الباحثين قبل عامين فقط شيئاً مذهلاً، إنها أقدم مدينة لصيد اللؤلؤ في الخليج العربي، وتعود إلى أواخر القرن السادس ومنتصف القرن الثامن الميلادي. وهذه المدينة تمتد على مساحة 12 هكتاراً، وتضم منازل متنوعة، تعكس تدرجاً طبقياً واضحاً، وعثر فيها على مئات الآلاف من أصداف المحار، وأقدم مغطس معروف في المنطقة، لكن الأهم من ذلك كله أن هذه المدينة تقع بجوار دير مسيحي قديم، تم اكتشافه قبل عام، وهذا الاكتشاف يثبت أن جزيرة السينية كانت موطناً لمجتمع مسيحي نسطوري مزدهر يعمل في تجارة اللؤلؤ، وكانت له علاقات وثيقة مع العالم الخارجي، أي أن السينية في أم القيوين هي محطة للحضارة الإنسانية والتنوع الديني، وهذا البعد الجديد يثري مفهوم التراث الإماراتي، ويتجاوز السردية التقليدية إلى سردية أكثر انفتاحاً وتعددية، تعترف بأن أرضنا كانت على الدوام مكاناً للقاء والتسامح.
أما جزيرة الأكعاب فتحمل في طياتها سراً أقدم، فبينما يركز الخطاب التراثي السائد على هجرات القبائل قبل مئات السنين تغفل الذاكرة الجماعية الإشارة إلى أقدم شواهد الاستيطان البشري في الإمارة، ففي جزيرة الأكعاب اكتشفت بعثة فرنسية في أواخر الثمانينيات موقعاً يعود إلى العصر الحجري الحديث، أي إلى حوالي 5000 سنة قبل الميلاد، وهذا الموقع يروي قصص صيادين وجامعي رزق، كانوا يعيشون على صيد سمك الأطوم، تلك الثدييات البحرية الضخمة التي كانت تسمى بقرة البحر، وقد استخدموا أدوات حجرية متطورة، وبنوا مساكن بسيطة على شاطئ الجزيرة، والأكثر إثارة للدهشة العثور على فخار يعود إلى حضارة العبيد في بلاد الرافدين. هذا يعني أن سكان أم القيوين كانوا على اتصال تجاري وثقافي مع أقدم الحضارات في التاريخ، منذ سبعة آلاف عام. أليس هذا دليلاً على عمق وأصالة الدور التجاري لأم القيوين مركزاً للتبادل الحضاري منذ فجر التاريخ؟
في أم القيوين وحين نفتش في أسرار البحر والصحراء نجد أن العلاقة بين الإنسان وهذه البيئة كانت أكثر عمقاً وتعقيداً مما كنا نظن، فأشجار القرم أو المنغروف، كما تسمى عالمياً، كانت في الإمارة نظام حياة متكاملاً، وكانت مصدراً للحطب للتدفئة والطهي، وعلفاً للإبل، ومأوى للأسماك والروبيان، الذي كان غذاء الناس، وكانت جذورها المتشابكة تحمي الساحل من التآكل، وتشكل حاجزاً طبيعياً أمام العواصف البحرية، وفي محمية جزيرة السينية نرى الآن مشاريع إعادة تأهيل أشجار القرم، التي تتبناها دائرة السياحة والآثار لحماية للبيئة، ولإعادة اكتشاف نمط معيشة الأجداد، وإعادة تأهيل للعلاقة التاريخية بين الإنسان ومحيطه.
موقع الدور الأثري، ومع أنها كانت مدينة صغيرة، لكنها كانت أيضاً نقطة التقاء للحضارات، ولا شك في أن العثور على قطع أثرية من بلاد الرافدين والهند والإمبراطورية الرومانية يثبت أن ميناء أم القيوين كان جزءاً من شبكة التجارة العالمية القديمة، فكانت السلع تنقل عبر المحيط الهندي والخليج العربي، وتتوقف هنا، لتعبر الصحراء إلى الشام والجزيرة العربية، وهذا يعني أن أجدادنا لم يكونوا مجرد صيادين معزولين، بل كانوا تجاراً عالميين، على اتصال دائم بثقافات العالم، أي أن أم القيوين كانت موطناً لتعددية ثقافية ودينية وتجارية، حيث عاش بشر من خلفيات مختلفة معاً في سلام وتعاون، وقد يكون ذلك ما جعل هذه النقطة تغني مفهوم الهوية الإماراتية أكثر انفتاحاً وتراكمية، فالهوية هي في الأصل بناء تراكمي يضم طبقات التاريخ كلها. شكراً صاحب السمو حاكم أم القيوين، وشكراً لأهلها الطيبين الأوفياء، وكل عام وأنتم بألف خير.