سالم علي سعيد.. صاحب أول فيديو كليب عربي

عالمياً، ظهر الفيديو كليب (الأغنية المصورة) لأول مرة بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 1894 من خلال فيلم قصير مصور لأغنية «الطائع»، طبقاً لأحد المصادر، ثم انتشر الفيديو كليب كثيراً في أوروبا، خصوصاً منذ أن طورته فرنسا سنة 1959 وراحت تعرضه من خلال جهاز يشبه الصندوق الموسيقي.

أما عربياً، فإن انتشار الفيديو كليب بدأ في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. وتشير بعض المصادر إلى الفنان اللبناني أحمد دوغان الملقب بـ«العندليب الأشقر» كصاحب أول فيديو كليب عربي، لأنه صور في عقد التسعينيات بالولايات المتحدة أغنيته «فكرني، إنت مين» بهذه الطريقة. والبعض الآخر يشير إلى فيديو كليب لأحد أغاني طلال مداح من إنتاج عام 1964، لكن ذلك العمل كان ارتجالياً وخالياً من اللمسات الإبداعية في التصوير. أما المؤكد فهو أن فناناً عمانياً سبق الجميع إلى ذلك، وتحديداً في عام 1984. والإشارة هنا إلى ابن صلالة العمانية الفنان «سالم علي» وأغنيته «عش سعيد» التي صُورت لأول مرة بطريقة الفيديو كليب في صلالة وفق تصور وإخراج فنيين معتبرين، وحظيت حينها بانتشار واسع في عمان واليمن وبلدان الخليج العربي.

في عام 2018، صدر كتاب في مسقط من تأليف الباحث الموسيقي «مسلم بن أحمد الكثيري» تحت عنوان «من الغناء العماني المعاصر»، تطرق فيه إلى سيرة وحياة وأعمال المطرب والملحن سالم علي، ليس فقط لأنه صاحب أول فيديو كليب عربي، وإنما أيضاً لأنه صاحب بصمات خالدة في التاريخ الموسيقي لبلاده، وصاحب فضل في انتشار الأغنية العمانية خارج حدود السلطنة، بدليل أنه أطلق عليه لقب «سفير الأغنية العمانية»، وهو لقب استحقه عن جدارة. هذا ناهيك عن أن ألحانه لنفسه أو لغيره تميزت بالتنوع والثراء وتوظيفها للتراث العماني. ولهذه الأسباب مجتمعة رأينا أن نوثق في هذه المادة سيرة هذا الفنان المبدع، مستعينين بالمعلومات التي أوردها الباحث الكثيري في كتابه، ومعتمدين أيضاً على معلومات إضافية وأكثر تفصيلاً من مصادر صحفية متنوعة، ولاسيما مقال الباحث سليمان المعمري في موقع «منشور» الإلكتروني (22/11/2021 تحت عنوان «سالم علي: من فرقة عسكرية إلى قاعة ألبرت هول».

ولد سالم بن علي بن سعيد الكثيري الشهير باسم سالم علي بمدينة صلالة في ولاية ظفار سنة 1959 إبان عهد السلطان سعيد بن تيمور، ونظراً للظروف المعيشية، انتقل والده للعمل والإقامة في إمارة دبي، ثم استدعى أسرته للحاق به. وهكذا انتقل سالم إلى دبي، حيث عاش وترعرع في كنف والديه، والتحق بمدرسة شرطية في الشارقة.

هذا قبل أن تعود الأسرة إلى صلالة مجدداً مع تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم عام 1970 خلفاً لوالده.

اختار الفتى سالم في عام 1971، وهو لم يتجاوز آنذاك الاثني عشر ربيعاً، أن يلتحق بالخدمة العسكرية كجندي في «فرقة صلاح الدين» الحكومية.

أمضى سالم عدة سنوات في الخدمة العسكرية انتقل خلالها للعمل في سلاح الإشارة التابع للقوات السلطانية المسلحة في مسقط، ثم انتقل إلى فرقة عسكرية أخرى مقاتلة في ظفار تسمى «فرقة عمر بن الخطاب». وخلال فترات الاستراحة من القتال، كان صاحبنا يستغل أوقات فراغه في الغناء والتلحين، ولاسيما إعداد أناشيد وطنية يستنهض بها حماسة زملائه المقاتلين.

من هنا بدأت قصته مع الغناء والطرب، خصوصاً وأن أخاه الأكبر سعيد كان داعماً ومشجعاً لموهبته الفنية. إذ إن سعيد كان هاوياً أيضاً للغناء والتلحين وصاحب أعمال غنائية خاصة. وهكذا راح الأخ الأكبر يلحن لأخيه الأصغر في بدايات مسيرته ويدفعه لارتقاء سلالم الفن، بينما كان هو نفسه يتوارى إلى الخلف سعيداً بنجاحات أخيه. ويشبه الباحث الكثيري علاقة الأخوين بما حدث بين العندليب عبدالحليم حافظ وأخيه إسماعيل شبانة الذي لم يعد أحد يذكره بسبب طغيان موهبة وشهرة أخيه.

يؤكد سالم في حواراته الصحفية أن بداياته الحقيقية كانت في عام 1976م، حينما سجل للتلفزيون العماني ست أغانٍ، كان من بينها أغنيته الناجحة كثيراً «طابت ليالينا» من ألحانه وكلمات الشاعر سالم الحبشي. غير أن المعروف هو أن ظهوره الإعلامي الأول كان من خلال الإذاعة العمانية سنة 1974، حينما سجل لها أغنيته الوطنية الحماسية «خليك معي يا أخي» من كلمات مسلم عساس بمناسبة ذكرى تولي السلطان قابوس الحكم، وأغنيته الجميلة «فكر بذا النسيان» التي جسد من خلالها لوعة فراق العاشق لمحبوبته، وفشل محاولاته لنسيانها. والمعروف أيضاً، أنه في عام 1975، كان صاحبنا على موعد مع أولى حفلاته العامة، حيث غنى لأول مرة أمام الجمهور في حفل أقيم بمدينة صلالة بمناسبة العيد الوطني الخامس، أغنية بعنوان «أمة الخير» من كلمات مانع بن سعيد الكثيري وألحان الفنان العماني المخضرم «مسلم علي عبدالكريم».

مثلت سنة 1979 منعطفاً مهماً في مسيرة سالم الفنية، ففيها قدم أغنيتين من خلال حفلة فنية في صالة مغلقة بمدينة صلالة بمناسبة العيد الوطني التاسع للسلطنة. هاتان الأغنيتان اللتان حققتا نجاحاً لافتاً، كانت إحداهما عاطفية بعنوان «حياتي يا روحي»، والأخرى وطنية بعنوان «يا موكب الفجر». ويعتبر الباحث الكثيري الأغنية الأخيرة من الأعمال المؤسسة للأغنية الوطنية العمانية بسبب لحنها المتميز غير المسبوق في الألحان العمانية. حيث وظف فيها صاحبنا المارشات العسكرية، ربما بتأثير من الموسيقيين العرب، ليخرج عمله هذا مخالفاً للدارج والشائع في الغناء العماني حتى ذلك التاريخ. وعلى هامش هذا المنعطف المفصلي في مسيرته، تفاجأ صاحبنا ببعض الحساد الذين حاولوا الإيقاع بينه وبين مدير الإذاعة العمانية في صلالة (حماد الغافري). إذ أشاعوا أن الأخير غاضب ومستاء من فناننا.

غير أن ما حدث هو أن تلك الإشاعة أفادته ولم تضره. وملخص الحكاية أن سالم صدق الإشاعة، ولم يرغب أن تكون هناك جفوة بينه وهو في بدايات مشواره وبين مسؤول إعلامي كبير، فذهب شخصياً إلى مدير الإذاعة ليستفسر، فإذا بالأخير يستقبله بترحاب ويخبره أن ما حدث لم يكن سوى وشاية رخيصة. ولكي يثبت الغافري محبته وصفاء قلبه تجاه فناننا قام بالاتصال هاتفياً بالشاعر والمذيع العماني المعروف عبدالله صخر العامري، وكان وقتها مسؤولاً كبيراً بوزارة الإعلام في مسقط، ليوصيه بالاهتمام بفنان شاب موهوب اسمه سالم بن علي.

لم يطل فناننا التفكير في هذه الفرصة التي جاءته على طبق من ذهب، فسافر إلى مسقط والتقى العامري، الذي استقبله بالترحاب والإعجاب، بل الذي بادر فوراً بالكتابة إلى ديوان البلاط السلطاني، طالباً الموافقة على أن تعزف الفرقة السلطانية الموسيقية بعضاً من ألحان وأغاني سالم علي، فجاءت الموافقة سريعاً، ليقفز صاحبنا إلى مرحلة مضيئة جديدة في مسيرته. حيث لم تكتفِ الفرقة السلطانية فقط بعزف أغانٍ ناجحة غناها سالم سابقاً، وإنما عزفت أيضاً، بدءاً من عام 1980، ثلاث أغنيات جديدة من ألحانه وكلمات عبدالله صخر العامري، وتعد هذه الأغنيات الثلاث («بو العيون الكحيلة» و«كم ليل عشناه سوا» و«عتاب الزمن») من أشهر وأنجح أغاني فناننا حتى اليوم، طبقاً للباحث سليمان المعمري. هذا علماً بأن أغنية «عتاب الزمن» غنتها أيضاً المطربة اللبنانية هيام يونس.

ونستطيع أن نقول إن عقد الثمانينيات من القرن العشرين كان بمثابة العصر الذهبي لصعود وانتشار اسم فناننا على نطاق أوسع. ففيه تعرف على أسماء عمانية أسهمت كثيراً في ترسيخ نجوميته، من بعد أن قام عبدالله صخر العامري بتثبيت أقدامه على طريق الفن، وفيه صار مطرباً أول على الساحة العمانية وسفيراً للأغنية العمانية.

من هؤلاء الشخصيات العمانية من ذوي الفضل على نجومية صاحبنا يبرز اسم الشاعر عوض بخيت العمري الذي كان أكثر من ألف لفناننا (32 أغنية) من بعد الشاعر علي عبدالله الصومالي (43 أغنية)، طبقاً لإحصائية أوردها الباحث الكثيري حول أعمال سالم علي والتي بلغ عددها الإجمالي 218 أغنية.

والحقيقة أن العمري لم يكن فقط مجرد مؤلف لأغاني صاحبنا، وإنما كان أيضاً حتى تاريخ وفاته في عام 1990 من داعميه الرئيسيين مادياً ومعنوياً بحكم نفوذه، وعلاقاته الثقافية والفنية والاجتماعية المتشعبة. وقد تمثل دعمه المادي لفناننا في قيامه بتمويل تسجيل أغاني فناننا في استوديوهات القاهرة ولندن وتمويل إصدار شرائطه وألبوماته التي كان آخرها إلبوم «لا تبكي» الذي صدر في عام رحيل العمري وكان كل محتوياته من كلمات الشاعر الراحل. ومن أفضال العمري الأخرى على صاحبنا أنه عرّفه حينما كانا سوياً في لندن سنة 1982 على الملحن خالد بن حمد البوسعيدي، الذي لعب هو الآخر دوراً مهماً في حياة سالم علي.

وخالد البوسعيدي هذا هو مؤسس شركة سابكو للفنون في عام 1983 بمشاركة أخيه السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير خارجية عمان الحالي، حيث لعبت شركة سابكو، بفضل إمكانياتها الكبيرة وعلاقاتها الممتدة، دوراً في نقل فناننا من مطرب محلي محبوب إلى مطرب عربي معروف، وجعلته صاحب أول فيديو كليب عربي، بل وأتاحت الفرصة أمامه ليغني في عام 1983 بواحدة من أشهر وأهم القاعات الموسيقية في العالم وهي قاعة «ألبرت هول» الملكية في لندن. ويمكن القول، في هذا السياق، إنه بقدر ما احتكرت شركة سابكو للفنون صوت فناننا وجعلت منه مطربها الأول، فإن سالم علي ظل وفياً لها ولم يخب ظنها فيه، إذ انتقل الأخير بالشركة من نجاح إلى نجاح، وأسهم في ازدهارها من خلال خمسة ألبومات أنتجتها الشركة له في الفترة ما بين عامي 1984 و1990 وهي: «عش سعيد» في 1984، و«مسافر» في 1986، و«لك يوم» في 1987، و«عشرة عمر» في 1989، و«كل ما في الأمر ليلة» في 1990. هذا علماً بأن التوأمة الفنية بين حنجرة سالم علي وعود خالد البوسعيدي من خلال الشركة أثمرت عن أعمال فنية أخرى جميلة. عدا تلك التي حملت أسماء ألبوماته الخمسة.

المؤسف أن تلك التوأمة بين الطرفين انتهت لأسباب مجهولة، فكانت الخسارة كبيرة لكليهما، فلا سالم استطاع أن يجد شركة فنية بنفس إمكانات سابكو الفنية والمادية، تتبناه وتصرف على فنه بكرم، ولا الشركة استطاعت أن تجد مطرباً آخر تحقق معه نفس النجاحات التي حققتها مع سالم. لكن سالم سعى في السنوات التالية لانفصاله عن سابكو إلى تجديد دمائه الفنية ومراجعة خياراته فقام بتسجيل جلسة طربية لقناة «صوت الموسيقى» القطرية، وراح يظهر في برامج حوارية على القنوات الفضائية، كما شارك في عام 2015 في فعاليات الملتقى الدولي الثاني للمؤرخين الموسيقيين.

مثل سالم علي بلاده في الكثير من المهرجانات العربية، حيث شارك في مهرجان الأغنية العربية بالجزائر عام 1985 وهو لم يزل في بداياته المبكرة، وشارك في مهرجان الأغنية العربية في لبنان سنة 1993، وفي عام 1999 شارك في مهرجان الباحة بالسعودية، وفي 2001 شارك في مهرجان الجنادرية إلى جوار نخبة من كبار الفنانين الخليجيين والعرب. كما شارك الراحل في مهرجان الأغنية العمانية عام 2006.

وتوج فناننا مسيرته بحصوله على وسام السلطان قابوس للثقافة والعلوم والفنون من الدرجة الثانية في عام 2007، وكان الراحل قد كرم في عدة مناسبات من بينها تكريمه في مملكة البحرين كأحد رواد الفن الخليجي برفقة الفنان محمد عبده وأحمد الجميري.

في فبراير من عام 2016 بدأ فناننا رحلته الموجعة مع السرطان بوصوله إلى بانكوك للاستشفاء في المستشفى الأمريكي هناك بتوجيهات من السلطان قابوس، لكن الأقدار لم تمهل ذلك الشاب الوسيم المكافح ذا الصوت الساحر، فاختطفه الموت في 22 نوفمبر 2017، وتم نقل جثمانه إلى عمان في اليوم التالي ليدفن بمقابر عائلته في صلالة.