في الأزمات تختبر الدول

في الأزمات، كما في الأزمة الحالية جراء العدوان الإيراني على دول الخليج العربي والمملكة الأردنية، تختبر الدول بطريقتين، الأولى: ميدان المعركة، أما الثانية فهي الكلمة، ففي الميدان تختبر الجاهزية العسكرية والقدرات الدفاعية، وهنا أثبتت دول الخليج والأردن استعداداتها، أما الإمارات فأثبتت دقة رؤيتها وقراءتها للمستقبل وجاهزيتها لكل السيناريوهات، حتى أصبحت قواتها المسلحة محل تقدير وإبهار للمتخصصين.

أما الكلمة فهي تكشف فلسفة ورؤية القيادة وعمق فكرها، لذا لا يمكننا قراءة الخطابات والكلمات السياسية كونها بياناً أو تعليقاً عابراً في لحظة أو موقف معين، يجب علينا أن نقرأها كونها نصاً سياسياً، يشرح لنا كيفية تفكير القيادة السياسية وطريقتها في إدارة الأزمات.

تدوينة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، التي نشرها عبر حسابه في منصة «X» بتاريخ 7 مارس الجاري، لم تكن مجرد رسالة لطمأنة المواطنين والمقيمين على أرض الإمارات في لحظة توتر لم يعتادوا عليها، لأنهم يعيشون في ظل حكومة أولويتها الإنسان بقدر ماهية تأكيد القيادة لمسؤوليتها تجاه الدفاع عنهم.

الكلمة حملت رسائل عدة للداخل والخارج، وإلى من يحاول اختبار صلابة وقدرة وصبر وحلم دولة الإمارات، كلمة سموه نص سياسي يشرح الفلسفة الإماراتية في التعامل مع الأزمات، بهدوء اللغة، والثقة بمؤسسات الدولة، ورهان على وعي المجتمع.

ما لفت انتباه الجميع البداية بالنداء المباشر الأخوة والأخوات والأبناء شعب دولة الإمارات، والمقيمين على أرضها، وزوارنا الكرام، الصياغة ليست ترتيباً ومقدمة بروتوكولية، بل هي تعبير عن الرؤية الإماراتية، التي تخاطب المجتمع كله بكل فئاته، ويقول لهم: إننا نحمي أرض الإمارات، ومن يقف عليها من مواطنين ومقيمين وزوار.

عادة في الدول تبنى العلاقة بين الدولة والمقيمين على أساس قانوني بحت، ينظم علاقة الإقامة والعمل، لكن في الإمارات العلاقة أعمق، هم جزء من معادلة الاستقرار الوطني، حيث وصفهم سموه بأنهم شركاء الوطن، بكلمتين لا يمكن وصفهما بمجاملة عاطفية، بل هي تعبير وتلخيص للعلاقة التي تربط المقيمين بأرض الإمارات، تشكلت عبر عقود من التعايش والعمل المشترك.

الرسالة الرئيسة في كلمة سموه هي أن الإمارات تضع أمنها وسيادتها وسلامة شعبها والمقيمين فيها وزوارها في مقدمة أولوياتها، وقادرة على التصدي لهذه الاعتداءات، جملة بسيطة عميق بمعناها، وكبيرة بوزنها، فهي أولاً تحمل رسالة طمأنة، وأن الدولة مدركة للتحديات، ولا تساوم في أمنها، ولا تتردد في حماية حدودها وردع العدو، أما الثانية فهي للخارج بأن الإمارات لحماية أمنها لا تتعامل بردة الفعل بل من الاستعداد والقدرة على الردع.

ومن اللافت أن لغة التدوينة هادئة ومتزنة، وهذا أسلوب وطريقة الإمارات في إدارة الأزمات، لأن الدول التي تعرف قوتها وإمكاناتها لا تحتاج لرفع الصوت ولا خطابات الضجيج، فالإمارات لمثل هذا اليوم استثمرت لبناء قدراتها الدفاعية، وطورت مؤسساتها، وعملت على وعي المجتمع.

أما شكر سموه للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والفرق الوطنية، فلأن الإمارات تحترم مؤسساتها، وتعلن ذلك بصراحة ووضوح، أما عبارة: أعلى درجات الجاهزية والتنسيق والتكامل فهي دلالة وتذكير بحقيقة، يعرفها كل من يعيش على أرض الإمارات، ومن يعرف النموذج الإماراتي، وهي أن الأمن الذي تعيشه الإمارات ليس مصادفة، بل هو نتيجة تخطيط وعمل وتنسيق بين جميع مؤسسات الدولة.

وهناك عنصر مهم تطرق له سموه وهو المجتمع، حيث عبر سموه عن تقديره العميق لوعي المجتمع من الإماراتيين والمقيمين، الذين عبروا عن حبهم للإمارات بالقول والفعل، وهنا يشير إلى ركيزة أساسية في الاستقرار الإماراتي القائم على الوعي المجتمعي.

في وقت الأزمات، يصبح وعي المجتمع جزءاً من معادلة الأمن والاستقرار، لذا نجد أن الدول التي تملك مجتمعاً واعياً ومتماسكاً تكون قادرة على تجاوز الأزمات والتحديات، وهذا لن يتحقق لولا علاقة الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، وبالتالي نجد أن الثقة هي رأس المال الحقيقي للدولة.

«ستبقى الإمارات دار زايد»: ليست عبارة عاطفية، وليست مجرد استدعاء لاسم المؤسس، بل هي تذكير وتأكيد على الفلسفة والفكر والمبادئ والقيم، التي تأسست عليها الإمارات، في السياسة الإماراتية عند ذكر المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، فذلك يعني نهجاً سياسياً وفلسفة حكم، يقومان على الحكمة والاعتدال وبناء الإنسان، والانفتاح على العالم والتسامح والتعايش.