رغم هذا العدد الأوفر الذي استهدف دولة الامارات من المسيّرات والصواريخ الإيرانية التي جرى إطلاقها على دول الخليج، إلا أن الصلابة كانت السمة الأهم في الموقف الإماراتي منذ اللحظة الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
كان غريباً أن تراهن الحكومة في طهران على أن ما تمارسه في حق الإمارات سوف يجعلها تخضع، أو يجعلها أقل قوة في التعامل مع التحدي المفروض عليها، أو يجعلها تفقد القدرة على السيطرة على الأمور في الداخل.
شيء من هذا كله لم يحدث، وتستطيع أن تقول قياساً على ما تابعناه إنه لن يحدث لا لشيء إلا لأن حكومة الإمارات استثمرت في نفسها وفي أرضها وفي أهلها وفي ناسها، وكان استثمارها في الحالات الأربع في مكانه، ولذلك كان له عائده ومردوده حين طرأت هذه التحديات، ثم تجسدت على الأرض مع بدء الحرب.
وليس سراً أن بعض الإعلام في المنطقة قد راح يصور الأمور في داخل الإمارات على غير ما هو حاصل، والمتابع المدقق كان في مقدوره أن يرى أن تصوير الأمور على النحو السلبي كان يتم عن قصد، وكان الهدف هو النيل من صلابة الإمارات ومن عزم الإماراتيين.
ولكن واقع الحال يوماً بعد يوم كان يقول، إن الإمارات استطاعت تجاوز كل استهداف لها، واستطاعت التعامل معه قبل أن تتجاوزه، واستطاعت إفهام الطرف الآخر أن استهدافات كهذه لن تنال منها، ولن تقلل من بأسها أمام التحديات التي وجدتها مفروضة عليها فتعاملت معها بالطريقة التي تراها.
كان المتابع المدقق يستطيع أن يرى أن الحياة تمضي في الإمارات على وتيرتها التي مضت عليها من قبل، وكنا نرى أن حفلات الإفطار الرمضاني تقام في شهر الصيام كما عهدها الإماراتيون في كل رمضان، وكنا نرى الزيارات التي يتبادلونها تجري على عادتها، ولم يكن الطقس الرمضاني يتبدل ولا يتغير، رغم أن الأجواء العامة في الإقليم كانت أجواء حرب، ولكنها لم تمنع كل إماراتي من أن يمارس حياته بالطريقة التي عاش عليها وعرفها قبل الحرب.
لم تختلف طقوس رمضان في الإمارات هذه السنة عنها في السنة الماضية، والصور المنشورة للطقوس الرمضانية بأشكالها وأنواعها تعزز هذا المعنى وتؤكده، وهي لا تعززه وتؤكده وفقط، ولكنها تقول إن الحكومة الإماراتية عرفت كيف تتغلب على ظروف الحرب، وكيف تقطع الطريق على الذين أرادوا إفساد التجربة الإماراتية.
وعندما نقول: التجربة الإماراتية، فإننا نتكلم عن تجربة مكتملة في بناء الدولة، وفي صناعة الإنسان، وفي الحفاوة بالضيف، وفي الاحتفاء بالمقيم، وفي الحرص على أن تكون الجودة في الحياة متاحة للمواطن بقدر ما هي كذلك للوافد أو المقيم.
كانت الإمارات هي الدولة الأولى التي تستحدث وزارة للسعادة في المنطقة، وكانت الحكومات العربية تتطلع إلى الوزارة المستحدثة وقتها بإعجاب، وكانت كل حكومة من حول الحكومة الإماراتية تتمنى لو استطاعت استحداث وزارة مماثلة أو مشابهة، وكان السبب أنها وزارة نشأت من أجل الإنسان، وأن الدولة التي تستثمر في الإنسان عندها، هي دولة تستثمر في المستقبل، وتريد أن تذهب إليه وهي جاهزة ومستعدة.
وفي مرحلة لاحقة كانت هناك وزارة مستحدثة أخرى للتسامح، وكان المسمى جديداً وموحياً كما ترى، ولم يكن هناك فارق بين الوزارتين، فالسعادة حالة إنسانية، والتسامح حالة إنسانية، وفي الحالتين هناك إنسان يمثل القاسم المشترك الأعظم الذي لا يغيب في المرتين.
كانت الوزارتان لوناً من الاستثمار في الإنسان، ولم يكن الاستثمار فيه استثماراً في فراغ، ولكن كان عملاً من أعمال البناء، ورهاناً على أن هذا الإنسان الذي جرى الاستثمار فيه رصيد قائم للدولة، وكانت الدولة تعرف أنه سيكون سنداً لها عند الضرورة، وقد جاءت الحرب على إيران بتداعياتها لتكون هي هذه الضرورة.
وعلى الرغم من استهداف الإمارات بالمسيّرات والصواريخ الإيرانية، فقد تمكنت الدولة من تبديد المخاوف وتعزيز ثقة المواطنين والمقيمين، بفضل قوة وكفاءة دفاعاتها الجوية وقدرتها على التعامل مع كل مسيّرة، ومع كل صاروخ تستهدف البلاد، وهذا ما كان مما تابعناه ونتابعه بتفاصيله.
عاشت الإمارات تبني نفسها وأهلها، ولم تكن تبخل بتجربة دبي الناجحة مثلاً على مَنْ يحب أن تكون عنده دبي أخرى في أرض العرب، ولم تكن تتوقع أن يأتي يوم يتم فيه استهداف تجربتها دون مبرر، ودون أن تكون طرفاً في الحرب، ولا من بين الداعين إليها.. ولكنها كانت جاهزة للدفاع عن نفسها، وكانت قادرة على أن تصد الاعتداءات بكفاءة، وتملك ما يجعلها تتجاوز ما يستهدفها لتمضي قدماً في طريقها، من دون أن ينال من عزيمتها أي اعتداء.