نماذج التعليم

يقول سيدي سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الرئيس الأعلى لجامعة حمدان بن محمد الذكية:

«الابتكار نهج الإمارات في سباق التميز والريادة». ولقد مثلت هذه العبارة خارطة طريق لنا في الجامعة، فالابتكار ليس حدثاً يأتي من الخارج، بل ممارسة يومية تبدأ من الداخل، من العقل، من الفكرة، من جرأة التجريب والاختبار.

وفي عالم يتغير بسرعة غير متوقعة يصبح الابتكار خياراً استراتيجياً لا غنى عنه، خاصة في مجال التعليم العالي.

إن الابتكار ليس دائماً اختراع الجديد، بل قد يكون إعادة تقديم المألوف بطريقة غير مألوفة. فالعالم لا يحتاج دائماً إلى فكرة لم يسبق إليها أحد، بل يحتاج إلى إعادة تخيل ما هو موجود بطريقة مختلفة.

ويمكن أن يكون الابتكار في التعليم، وفي أي مجال آخر، مجرد إعادة ترتيب للعناصر نفسها، لكن بزاوية رؤية جديدة تفتح فرصاً جديدة، ذلك لأن القدرة على إعادة صياغة المعهود المألوف بطريقة أخرى ليس فقط مجرد نوع من التكرار، بل طريقة في الابتكار.

على سبيل المثال، شركة أوبر لم تخترع السيارة ولا السائق، لكنها ابتكرت نموذجاً مختلفاً للتنقل. هنا لم يكن الابتكار في المنتج، بل في النموذج. السيارة نفسها، والسائق نفسه، والمدينة نفسها؛ ما تغيّر هو طريقة التفكير في العلاقة بين هذه العناصر.

أي أن الشركة لم تخترع وسيلة النقل، بل اخترعت الطريقة التي نستخدم بها وسيلة النقل. هنا تتضح قيمة الابتكار في النماذج: القدرة على تغيير القواعد دون تغيير الأشياء.

وكذلك فعلت جامعة حمدان بن محمد الذكية حين طبقت فكرة «أوبرة التعليم». لقد اقتبست من فكرة أوبر جوهرها لا شكلها: تحويل الخدمة من نمط ثابت إلى خدمة مبنية على الطلب، ومن نموذج مفروض على الجميع إلى نموذج يتكيف مع كل فرد: تعليم حسب الطلب، متاح في أي وقت ومن أي مكان، وبأسلوب يتكيف مع المتعلم نفسه.

هكذا لم يعد الطالب ملزماً بالوقت والمكان وبسرعة زملائه في التعلم. بل أصبح التعلم تجربة شخصية مصممة حسب احتياجات الفرد، وليس حسب معطيات مسبقة لدى المؤسسة التعليمية.

وبفضل الريادة المبكرة لجامعة حمدان بن محمد الذكية في تبني التعليم الذكي، أمكن لها اليوم تقديم نماذج مبتكرة من نماذج التعليم، كالتعليم التكيفي والتعليم التراكمي والتعليم التشاركي، واعتماد أساليب جديدة في التعلم ليست متوافرة في منظومات التعليم التقليدي، في تحول انعكست آثاره على مسيرة الطالب ومستقبله.

ويعيد هذا التحول في النموذج تعريف العلاقة بين الجامعة والطالب. فالطالب لم يعد متلقياً مسجلاً في قاعة محاضرات، بل متعلماً يصمم تجربته الخاصة. والمادة التعليمية ليست ثابتة، بل مرنة قابلة للتحديث. وهكذا تنتقل الجامعة من نموذج نقل المعرفة إلى نموذج صناعة المعرفة.

إن الابتكار في التعليم لا يعني تغيير الأدوات فقط، بل تغيير طريقة التفكير. فقد نمتلك أحدث المنصات التقنية، وأقوى الأنظمة، وأفضل الأجهزة، لكن من دون عقلية مختلفة، تظل هذه الأدوات تقنية محدودة القيمة.

فالتغيير الحقيقي يبدأ حين تتغير زاوية النظر: من التعليم بوصفه نقلاً للمعلومات، إلى التعليم بوصفه كشفاً. وحينها فقط يمكن للأدوات أن تعمل كجسر نحو المستقبل.

من المعلوم الآن أن الجامعات التي تتبنى هذا النموذج لا تعيد تشكيل المناهج فقط، بل تعيد تشكيل علاقتها مع المجتمع. فهي لم تعد تنتج شهادات فقط، بل تنتج أشخاصاً قادرين على التفكير بطريقة غير تقليدية. والتعليم لم يعد هدفاً مسبق الصنع، بل وسيلة، وما دام التعليم وسيلة، فإن قيمته تتحدد بقدر ما تحقق لدى المتعلم من أثر.

إن ما يحصل اليوم ليس تحسناً تدريجياً لنظام التعليم، بل ولادة نموذج جديد. والتعليم يتحول من منتج ثابت إلى خدمة مرنة، من تلقين إلى بحث، من انتظار الفرص إلى صنعها. وحين يصبح التعليم فعلاً من أفعال الابتكار، يتحول المتعلم من طالب يستهلك المعرفة إلى قائد يصنع التغيير.