بائع اللبن الذي صنع مجداً

عرف جمهور السينما والمسرح والدراما في مصر والعالم العربي الفنان القدير شفيق نور الدين من خلال أعماله الخالدة، فأحبوه وتابعوا نشاطه، قبل أن يتفاجأوا برحيله في 14 فبراير 1981 عن عمر ناهز السبعين عاماً، حيث إنه من مواليد المنوفية في 15 سبتمبر 1911.

وعلى الرغم مما سبق، فإن الكثيرين لا يعرفون كيف شق هذا الفنان طريقه نحو المجد، وحفر لنفسه اسماً في عالم الفن.

لم يكن الطريق معبداً أمام ابن قرية قويسنا الريفية بمحافظة المنوفية ونجل تاجر القطن، الذي انجذب للفن وهو صغير حينما شاهد عروض الفرق التمثيلية المتجولة، وانبهر بأعمالها.

فقرر أن يحاكيها من خلال فرقة من التلاميذ كونها لتقديم فصول تمثيلية في الأفراح والمناسبات السعيدة داخل قريته.

بدأ نور الدين رحلته التعليمية بالالتحاق بمدرسة الصنائع كي يغدو ميكانيكياً، لكنه تركها في عام 1931 ليلتحق بقاعة المحاضرات المسرحية في القاهرة.

حيث تتلمذ على يد قامات مسرحية عظيمة مثل جورج أبيض وزكي طليمات، كما درس بمعهد التمثيل الأهلي عام 1933، وانضم بعد ذلك إلى فرقة جورج أبيض.

وفي عام 1936 التحق بالفرقة القومية بلا أجر، ثم عيّن ضمن مجموعة من الهواة بمكافأة شهرية قدرها 3 جنيهات بعد اجتيازه اختباراً أمام المخرج عزيز عيد.

وتشاء الأقدار أن تمر مصر بأزمة اقتصادية في ثلاثينيات القرن العشرين، كان لها تأثير سلبي على الفن، وهو ما جعل نور الدين ينقطع عن ممارسته ليعود إلى قريته لمساندة أسرته، فافتتح محلاً صغيراً كان يبيع فيه اللبن والخبز.

وحينما تعدلت الأحوال بعد عام ونصف العام عاد إلى القاهرة ليواصل مسيرته الفنية. فعمل كملقن في العديد من المسرحيات، وظل يتنقل بين المسارح باحثاً عن فرصة لإظهار مواهبه فاشتغل مع سلامة حجازي في أدوار صغيرة.

كما عمل مع جورج أبيض وزكي طليمات في أدوار ثانوية، واستمر كذلك إلى أن أسند له المخرج فتوح نشاطي دور الكاهن في مسرحية «توت عنخ آمون» سنة 1942، فأداه بنجاح مدهش.

بعد ذلك توالت عليه العروض فشارك في الستينيات في مسرحيات: «عيلة الدوغري» و«شقة للإيجار» و«ملك القطن» و«سكة السلامة» و«أم رتيبة» و«المحروسة» و«بير السلم» و«السبتية» و«سهرة مع الحكومة» و«سينما أونطه» وغيرها.

ومع تزايد شهرته فتحت الإذاعة المصرية أبوابها أمامه فقدم لها سهرات وتمثيليات عدة مثل: «المماليك» «عيلة سي جمعة» و«نودار جحا» و«رحلة عم مسعود».

ومن المسرح والإذاعة انتقل إلى السينما في منتصف الأربعينيات، حيث ساعده شكله وتكوينه الجسماني في تجسيد شخصية الرجل الطيب والأب التقليدي المحافظ والموظف الحكومي البسيط والخادم الأمين والخواجة البخيل.

والشيخ الجليل. وهو لئن حبسه المخرجون في هذه الأدوار التي تعاطف معها الجمهور كثيراً، إلا أنه برع أيضاً في أداء الأدوار الكوميدية بأسلوب متميز ومختلف عن مجايليه، فترك من خلال أفلامه السينمائية التي تجاوزت المائة فيلم بصمة لا تنسى في صناعة السينما المصرية. من أهم أفلامه:

«احترسي من الحب» و«إحنا التلامذة» و«أم رتيبة» في 1959، «الناس اللي تحت» و«حايجننوني» في 1960، «شياطين الليل» و«مراتي مدير عام» في 1966، «يوميات نائب في الأرياف» و«المومياء» و«نادية» في 1969، «هاربات من الحب» في 1970، «شلة المراهقين» في 1973، «المتمردون» و«نفوس حائرة» في 1968، «العيب» و«الليالي الطويلة» و«جفت الأمطار» و«معبودة الجماهير» في 1967.

ومن أفلامه في خمسينيات القرن العشرين: «الأستاذة فاطمة» و«الأفوكاتو مديحة» و«الأم القاتلة» و«ريا وسكينة» و«بائعة الخبز»، و«ثورة المدينة» و«حب في الظلام» و«درب المهابيل» و«بحر الغرام» و«سمارة» و«القلب له أحكام» و«بورسعيد» و«فتى أحلامي» و«المفتش العام» و«سيدة القصر» و«امرأة في الطريق» و«بين السماء والأرض».

الجدير بالذكر أن نور الدين أبدع أيضاً في مجال الدراما التلفزيونية، إذ قدم منذ أواسط الستينيات عدداً من المسلسلات، لعل أهمها:

الساقية، القاهرة والناس، الرحيل، هي لعبة، الفلاح، الناس والفلوس، المجنون، العودة للمنفى، لعبة كل يوم، الزوبعة، إصلاحية جبل الليمون، عيلة الدوغري، وأصيلة.