تتمدد الشائعات في الفراغ، فإذا لم يتصدَ لها المعني بالنفي أو التأكيد، اتسعت رقعة انتشارها. غير أن بعض الشائعات ليس لها تداعيات تذكر، مثل من يُسَرّب معلومة اعتزامه الاستقالة لزميل يعتبر وكالة أنباء الشائعات حتى يكسب تعاطف من حوله،.
وقد تابعت قصة أحدهم ممن أقدم على هذه اللعبة، فقبلت الإدارة العليا استقالته فوراً، رغم أهمية وجوده، كانت تريد أن تسجل موقفاً لن ينساه أحد بعدم اللعب بورقة التهديد. وهناك من يشيع أخباراً عن زيادة في الرواتب أو انخفاضها، أو خبر استقالة مدير عام يكرهه!
وعلى الجانب الآخر، فإن تداعيات تجاهل بعض الشائعات كبيرة، مثل شائعة أنباء مزعومة عن تسريح جماعي، أو تضخيم الخلافات بين المديرين، أو اختلاق فضائح إدارية، أو التشكيك في نزاهة القرارات، أو زعزعة الأمن الداخلي لحاجة في نفس يعقوب، هنا يكون التصدي محموداً. في الإدارة مثلاً، هناك لجان لديها سلطة التحقيق، ومن ثم إيقاع عقوبات رادعة.
على المستوى الوطني، هناك تجارب عالمية عديدة لوأد الشائعات، منها المؤتمرات الصحافية والبيانات الدورية.
ومنحت وسائل التكنولوجيا الجهات المسؤولة فرصة الرد الخاطف، بالصوت والصورة، لوأد الأخبار الملفقة.
هذه الميزة هي التكنولوجية السريعة التي لم تكن موجود في سالف الأزمان حينما ظهر الطابور الخامس في الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936، وهو عبارة عن شبكة من المتعاونين السريين داخل المدن، يعملون على بث الشائعات، وإضعاف الجبهة الداخلية.
ولذلك سمي بهذا الاسم، حيث كان يوقف جنرال إسباني جيشه في أربعة طوابير عسكرية خارج مدريد، ويقول إن لديه طابوراً خامساً داخل المدينة يعمل سراً لمصلحته، ومن هناك جاء رقم خمسة.
ومن التجارب الرائدة قانون مكافحة الأخبار الكاذبة في سنغافورة، الذي أُقر عام 2019، ويمكن للحكومة بموجبه التدخل لتصحيح أي خبر أو معلومة تراها السلطات مغلوطة أو قد تقلل من ثقة الجمهور بالسلطة التنفيذية، وهناك منصة تابعة لجامعة بنسلفانيا، اسمها factcheck.org تتحقق من التصريحات والأخبار المتداولة.
كما أن للوعي الفردي دوراً أكبر من المؤسسي في مكافحة الإشاعة، والوعي الفردي يعني الامتناع عن نشر الخبر قبل التأكد منه، والسؤال الدائم عن المصدر، وانتظار التوضيح الرسمي.
هذا سلوك راقٍ يكسب صاحبه المصداقية والثقة فيما يقول، ذلك أن الشائعة تموت حينما نمتنع عن تداولها، ولأن الشائعات تزدهر في الأزمات، فإن الحذر فيها أوجب من غيرها.
وأكثر ما يمنع تضخم الشائعات، سرعة الرد الرسمي، والشاشة التي تنقل الحقيقة دوماً تبني ثقة راسخة مع المشاهد، فالناس بطبيعتها تميل نحو الشفافية، والرد السريع يئد الإشاعة في مهدها، قبل أن تكبر مثل كرة الثلج.
ولمنظمات المجتمع المدني دور في مكافحة الشائعات، فما أكثر المبادرات الإلكترونية التي أخذت على عاتقها نقل الحقائق ومحاربة الأخبار الزائفة، كما أن المؤسسات الإعلامية عليها عبء التثبت حتى لا تخدش ثقة الجمهور بها.
وقد عملت عقدين ونصف العقد في الصحافة الرصينة (القبس الكويتية في عصرها الذهبي)، وكان من أبجدياتها أن ننشر الخبر المصحح أو التنويه في المكان ذاته الذي نشر فيه الخبر المغلوط.
وأشهر إشاعة في تاريخ الدين الإسلامي كانت حادثة الأفك، وهي مثال على تداعيات نشر خبر لا أصل له، انتهى بالحجة الدامغة من القران الكريم، التي برأت عرض أم المؤمنين. وقد توعد الله تعالى من كبر وأشاع تلك الحادث بقوله «وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ».
من مهنية التعامل مع الشائعات، عدم الرد على أي معلومة مغلوطة، ففي بعض الردود خصوصاً من منظمات كبرى إعادة شائعة لمعلومة ليست ذات جدوى أصلاً. الشائعة ليست حرية رأي، بل معلومة غير موثقة، كثير منها قد يضر بالأفراد والمؤسسات، ووأد الشائعة يتطلب مهنية إعلامية، وثقافة مؤسسية، ومسؤولية فردية.