الإحاطة الإعلامية وتعزيز الثقة المجتمعية

في وقت الأزمات الكبرى تتعدد ميادين المعركة، ومنها ميدان الإعلام الذي تشكل فيه الروايات والسرديات وتبنى فيه التصورات والتوجهات ويحدد فيه اتجاه الرأي العام، لهذا تبرز أهمية الإحاطة الإعلامية باعتبارها أداة استراتيجية في إدارة الأزمات، فهي ليست مجرد لقاء إعلامي لإيصال المعلومات، هي منظومة اتصالية متكاملة الهدف منها ضبط تدفق المعلومات، وإرسال الرسائل، وطمأنة المجتمع.

وتعتبر الإحاطة الإعلامية الإماراتية التي عقدت يوم الثالث من مارس الحالي نموذجاً في إدارة الأزمات إعلامياً، فمن خلالها تبرز لنا الفلسفة الاتصالية لدولة الإمارات التي تقوم على الانضباط الإعلامي، وتوجيه الرسائل للداخل والخارج بدقة في وقت حرج، إضافة إلى التكامل المؤسسي؛ لأنه في وقت الأزمات لا يقتصر دور الإعلام على نقل الأخبار، فللإعلام دور أساسي ومهم لضمان استقرار المجتمع، وبناء الثقة في مؤسسات الدولة، لذا تهتم الحكومات الواعية وتحرص على تنظيم إحاطة إعلامية مدروسة بعناية من حيث رسائلها وتوقيتها بل حتى الجهات المشاركة فيها.

لذا جاءت الإحاطة الإعلامية لدولة الإمارات التي عقدت في وقت حرج وسياق أمني حساس بسبب العدوان الإيراني عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على دول الخليج العربي وعلى دولة الإمارات بشكل خاص، وقد شارك في الإحاطة 5 جهات حكومية هي وزارات الدفاع، والداخلية، والخارجية، والاقتصاد والسياحة، والهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث.

في مثل هذه الظروف تكون التحديات الإعلامية كبيرة على الجهات الحكومية والإعلامية، ليس فقط بسبب المخاطر الأمنية والتدميرية على البنى التحتية، بل الآثار النفسية والاقتصادية، وهنا تكمن ضرورة وأهمية التواجد الحكومي الإعلامي ليكون سريعاً ومدروساً وقادراً على ضبط المشهد الإعلامي.

تميز تنظيم الإحاطة الإعلامية الإماراتية بالذكاء من خلال تواجد الجهات الحكومية الخمس، حيث لم يكن تواجدها في الإحاطة مجرد تنسيق إداري، بل هي رسالة اتصالية ذكية، من خلال إظهار العمل والتنسيق الحكومي كمنظومة واحدة وأن إدارة الأزمة تتم على مستوى وطني.

وإذا رجعنا للرسائل والمعلومات التي تضمنتها الإحاطة نجد أن وزارة الدفاع عرضت الجانب العملياتي والقدرات الدفاعية للدولة، وهذا مهم وضروري لأنه يظهر قدرة الدولة على حماية حدودها وأجوائها وإمكانياتها على التعامل مع التهديدات العسكرية، أما وزارة الداخلية فركزت على الجانب الأمني الداخلي، وأكدت على قدرتها على حماية المواطنين والمقيمين على أرض الدولة، وهذا يطمئن أفراد المجتمع، أما الخارجية فأوضحت موقف الدولة في ضوء القانون الدولي والعلاقات الدولية.. لكن اللافت هو تواجد وزارة الاقتصاد في إحاطة إعلامية أمنية، هنا الرسالة تقول إن الدولة مدركة لخطورة الآثار الاقتصادية والاستثمارية للعدوان الإيراني، وحضور الوزارة تأكيد على أن الاقتصاد الإماراتي مستمر في العمل والحياة طبيعية ولم تتأثر بالاعتداء.

أما تواجد الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث فهو أمر طبيعي، حيث إنها الجهة المعنية بالتنسيق الوطني في حالات الطورائ والأزمات، وفي نفس الوقت يؤكد أن إدارة الأزمة في دولة الإمارات تتم عبر منظومة وطنية مؤسسية ومن خلال آليات معتمدة من خلالها يتم التعامل مع السيناريوهات المحتملة بكفاءة واحترافية، وهذا هو ما يعزز ثقة المجتمع.

من وجهة نظري، الإحاطة حققت ثلاثة أهداف رئيسة، الأول: طمأنة المجتمع، والثاني: إرسال رسائل للمعتدي، بقوة قدراتنا الدفاعية، وهنا تميز الخطاب بالحزم والهدوء وهو ما يعكس الفلسفة الإماراتية في إدارة الأزمات، أما الثالث: الحفاظ على صورة الدولة أمام المجتمع الدولي، عن طريق التأكيد على سعيها إلى ضمان الاستقرار الإقليمي وفي الوقت نفسه عدم تهاونها في صد أي اعتداء يهدد سيادتها وأمنها.

من خلال تحليل الإحاطة من حيث التنظيم والمحتوى يتضح لنا أنها قامت على 3 مبادئ رئيسة هي: الشفافية من خلال تقديم معلومات مهمة وضرورية للجمهور، ومن دون الكشف عن المعلومات الأمنية الحساسة، والثاني التكامل المؤسسي من خلال عمل جميع الجهات الحكومية ضمن منظومة واحدة، أما الثالث الهدوء الاستراتيجي من خلال رسائل قوة وردع، لكن من دون الانجرار إلى تصريحات أو خطابات تصعيدية.

من تجربة دولة الإمارات في إدارة الأزمات إعلامياً يتأكد لنا أن الدولة القادرة على إدارة خطابها الإعلامي قادرة على المحافظة على استقرارها الداخلي، وقادرة على حماية صورتها ومكانتها الدولية، دولة الإمارات قدمت نموذجاً لإدارة الأزمة بحكمة وهدوء وتحويلها إلى فرصة لتعزيز الثقة بمؤسساتها ورؤيتها.