هذه المسيّرات التي أخطأت العنوان

بدت إيران وهي تستهدف الأراضي التركية بصاروخ، وكأنها تريد أن تقول إنها لا تستهدف الخليج وحده، وإنما تستهدف دولاً وبلاداً أخرى من حولها.. وهذا تبرير لا يقوم على منطق سليم ويفتقد مبادئ الجوار التي لا بد أن تكون قائمة بين الدول التي قضت الجغرافيا بأن يضمها مربع واحد في أنحاء الكوكب الفسيح.

وكنا قد تابعنا كيف أن دفاعات حلف شمال الأطلسي قد أسقطت الصاروخ، وكان ذلك لأن تركيا عضو في الحلف، وتحتمي بالتالي بما تحتمي به بقية الدول الأعضاء من مظلة توفرها دفاعات حلف الناتو لجميع الدول الأعضاء.

وتابعنا كيف أن تركيا انزعجت كما لم تنزعج من قبل، وأنها لم تكن تتوقع أن تستهدفها إيران بصاروخ حتى ولو كانت الأراضي التركية تضم قاعدة عسكرية أمريكية أو أكثر، فالاستهداف هنا يظل للدولة ولأرضها ولأهلها وليس للقاعدة العسكرية في شيء. ثم إن جواراً مباشراً على الخريطة يربط الإيرانيين بالأتراك، وليس من مبادئ الجوار بين الدول في شيء، أن يقع مثل هذا الاستهداف في حق بعضها البعض، ولا أن تغض طهران بصرها عما يفرضه الجوار من المبادئ والمعاني التي لا بديل عن أن تظل حاضرة في كل الأحيان.

وتابعنا كيف أن أنقرة استدعت السفير الإيراني وأفهمته مدى استيائها، وأن إسقاط الصاروخ لا ينفي احتفاظها بحق الرد على تجاوز وقع في حقها، واعتداء طال أرضها، وما كان للتجاوز أن يقع، ولا للاعتداء أن يكون.

شيء من هذا كله تجده في دول الخليج التي أصابها ما أصابها من صواريخ ومسيرات إيرانية طائشة.

كان الأجدى بإيران أن ترى أن دول الخليج بادرت منذ البداية، ومنذ وقت مبكر جداً، فأعلنت على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى العالم، أنها تميل لتغليب لغة الحوار في حل المشكلات بين الطرفين، وأنها ترى الحل الدبلوماسي حلاً ذا أولوية، وأنها تفضله ولا ترى له أي بديل، وأن كل قضية مهما تعقدت يمكن أن تتسع لها طاولة الحوار.

كان هذا تقدير الخليج كله منذ شرعت الولايات المتحدة في إرسال حاملة الطائرات إبراهام لنكولن، ثم عندما راحت ترسل الحاملة جيرالد فورد التي تمثل أكبر الحاملات عندها، وكانت عواصم الخليج بغير استثناء ترى أن حاملات الطائرات ليست حلاً، وأن التحشيد العسكري ليس هو الطريق المفترض، وأن الطريق هو طريق الدبلوماسية، وأن ما بدأ من حوار بين الطرفين في أنقرة ثم في مسقط ثم في جنيف، يمكن جداً أن يؤدي إلى الالتقاء في منطقة وسط يرتضي بها الطرفان، ويجد فيها كل طرف ما يريده وما يرضيه.

كان هذا هو تقدير دول الخليج كلها، وكانت دولة الإمارات على سبيل المثال تشدد على ذلك وتعلنه، وكانت مع الدول الخليجية لا تدخر جهداً في دفع احتمالات الحرب بعيداً، وفي تقريب احتمالات السلام والدبلوماسية ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.. وكانت تذهب لأبعد من ذلك وتقول إنها لن تسمح باستخدام أراضيها ولا مجالاتها الجوية في شن أي هجوم على الإيرانيين، وكانت وهي ترى هذا الرأي وتعلنه لا تتنازل عنه، وكانت ولا تزال تتمسك به ولا تفرط فيه، وكانت تدرك أن جواراً مباشراً يظل يربطها بإيران، وأنه لا شيء يفصل بينهما سوى مجرى الخليج العربي، وأن وقوع إيران على شاطئه الشرقي ودول الخليج على شاطئه الغربي من دواعي أن يبقى الخليج جسراً يصل ولا يقطع.

كان الأمل ولا يزال ألا تغيب هذه المعاني عن الإيرانيين، وأن يكونوا على يقين من أن أي صاروخ يستهدف أرضاً في دول الخليج هو صاروخ ضل طريقه دون شك، وهو صاروخ يضرب في الاتجاه الخطأ، وهو صاروخ يصيب الجيران لا الأعداء، وهو صاروخ يعتدي على مبادئ الجوار المستقرة، وهو صاروخ يدوس فوق المعاني الرابطة بين شاطئي الخليج، والتي لا بد أن تبقى وأن تجد على الشاطئ الشرقي مَنْ يحفظها ويحافظ عليها ويوفر لها صور الحماية كلها.

كان الأمل ولا يزال أن تلتفت إيران إلى أن الهروب من حقائق الجغرافيا لا يجدي في شيء في النهاية، وأن الدول لا تختار مواقعها على الخريطة، وأنها كالإنسان الذي لا يختار مولده، ولا يختار أمه ولا أبيه، وأن ذلك إذا كان صحيحاً وهو صحيح فليس أقل من إنزال حقائق الجغرافيا، حيث يتعين أن تنزل وأنها لن تنزل منزلها إلا إذا بقيت مبادئ الجوار مرعية.. هذه المعاني حاضرة في ذهن كل مواطن خليجي وماثلة أمام عين كل حكومة في الخليج، ولا تغيب عن المواطن ولا عن الحكومة، وأولى بها أن تكون حاضرة وماثلة بالدرجة نفسها على الشاطئ الآخر من الخليج.

لا يوجد صاحب عقل يسمع عن طائرة إيرانية مسيرة اصطدمت بشيء في أرض الخليج، إلا ويكون تقديره أن هذه طائرة تخطئ العنوان.