بعض أصداء الحرب في «عالم الغرب»

لا نبالغ كثيراً إذا وصفنا السنة الأولى من ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية في البيت الأبيض، بالسنة الأكثر صخباً وتلاسناً وجدلاً سلبياً وتبادلاً للتشادّ والتغاضب، بين شطري عالم الغرب الأوروبي والأمريكي، منذ منتصف القرن الماضي.

افتتح ترامب هذه السنة بما انتهى عليه في ولايته الأولى، كالسخرية من معظم الزعامات الأوروبية، ومعاتبتهم على التقصير في الاعتراف بفضل بلاده في دعم منظوماتهم الأمنية، لا سيما تحت مظلة حلف الناتو، وعلى البخل في الإنفاق على شؤونهم الدفاعية، مقابل الاعتماد على السخاء الأمريكي، ورمي تجربة الاتحاد الأوروبي باستغلال هوامش السماح وأريحية التعاملات الاقتصادية معهم، في غبن المصالح الأمريكية.

وعموماً لم تخلُ واحدة من مناسبات ومحافل هذه السنة، التي التقى فيها ترامب أو نائبه الكهل، جيه فانس، مع قادة أوروبيين، إلا ونال هؤلاء الأخيرين نصيباً من عمليات التبكيت والتقريع، أحياناً إلى حد الإهانة.

العبرة هنا أن شرارة الحرب الأمريكية الإسرائيلية/ الإيرانية، انطلقت عند لحظة لم تكن فيها العلاقات بين جانبي الأطلسي في أحسن أحوالها، بل لعلها تزامنت مع أجواء موشاة بالأسئلة حول مآلات المعايرات والمناكفات الأمريكية بحق الأوروبيين، وما إن كانت نذيراً بالتخلي دفاعياً وأمنياً عنهم، وعما يمكنهم أو يسعهم فعله عندئذ، فضلاً عن احتمالات التخارج الاقتصادي معهم وممارسة ضغوط تجارية عبر فرض تعريفات جمركية مرهقة عليهم. وليس بلا مغزى على معالم التخوف من بلوغ السياسة الأمريكية، في عهد ترامب حد القطيعة، والازورار عن الشركاء التاريخيين الحضاريين، استشعار قطاعات أوروبية مؤثرة لانحياز واشنطن إلى رؤية الجانب الروسي وتقديراته لمصير الحرب الأوكرانية، على خلاف المقاربات الأوروبية قومياً واتحادياً.

لم يتصور أحد من أطراف التناكف والتنازع على ضفتي الأطلسي، وقوع حدث فارق كبير، بحجم الحرب الدائرة في الميدان الإيراني وتوابعها، تختبر في ضوئه عاجلاً سياسات ومواقف هذه الأطراف بشكل عملي، وبخاصة على صعيد الاصطفافات الكلية أو النسبية من لدن الأوروبيين، على المستويين القومي أو الاتحادي الجماعي، خلف الأهداف الأمريكية والإسرائيلية من الحرب.

وبهذا الصدد يلاحظ أن الأوروبيين ألفوا أنفسهم في أوضاع تتطلب قدراً كبيراً من حكمة التوازن والمضي على حبال مشدودة، لا يعاكسون بها الإرادة الأمريكية على طول الخط ويحتفظون في الوقت ذاته بمسافة عن هذه الإرادة، صيانة لما اعتبره معظمهم أسس القوانين الدولية ورعاية لمصالحهم في منطقة القتال مع الشركاء الخليجيين، وإبقاء لهوامش تسمح باستئناف للجهود الدبلوماسية لوقف الحرب إذا ما سنحت فرصة لذلك.

وقد أعطى مارك روته، أمين عام «الناتو»، إشارة على هذه المداخلة الحذرة، حين أشاد بالعملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية مع التنويه بأن «الناتو ليس ولن يكون طرفاً فيها، لكنه لن يعترض على مبادرة أي من أعضاء الحلف إن أراد المشاركة».

اللافت أن روته هذا ذا الأصل الهولندي، من أنصار ديمومة الانضواء الأوروبي تحت الحماية الأمريكية، سواء ضمن منظومة «الناتو» أو خارجه. وقد أوضحت التطورات المتسارعة بعد اندلاع القتال أن قوى فاعلة ونافذة الرأي، داخل الاتحاد الأوروبي والحلف، كألمانيا، تشاركه التقدير وتدعو إلى عدم انفصال روابط الشراكة مع الولايات المتحدة. وضمن ما يدعو إليه هذا الفريق الموازنة بين تعزيز اللحمة الأوروبية، من دون التفريط بالأواصر القوية مع الأخ الأمريكي الأكبر، الذي «بدونه لن تكون لدينا، فرادى ومجتمعين، القدرة الدفاعية الكافية عن أوروبا، لا نووياً ولا تقليدياً، ولا حتى فيما يتعلق بالمعلومات الاستخبارية وطرق عملها».

حتى الآن من الصعوبة بمكان توقع التطورات التي ستسفر عنها الحرب في دنيا التفاعلات الأمريكية الأوروبية. غير أن المشهد الأوروبي العام يشي بالتعاطف مع توجهات ترامب؛ وهو أمر مستحب للرجل، الذي عبر عن استيائه بشدة من مجرد اختلاف إسبانيا وشرودها نسبياً عن هذا السرب، بامتناعها عن السماح باستخدام أراضيها لأية تسهيلات عسكرية أمريكية، ورفضها لمبدأ الحرب لأنها «تهدد استقرار الشرق الأوسط ومنطقة الخليج». وبحدة أقل، عتب ترامب على موقف بريطانيا أيضاً لأنها تمنعت قليلاً قبل منح الإذن لاستخدام الأمريكيين لقواعدها العسكرية، وهم في طريقهم لتنفيذ ضربات ضد إيران. المغزى من ذلك أن ترامب المزهو بالقوة الأمريكية الجبارة، تأكد ميدانياً من أهمية الشراكة الأوروبية، وأدرك كيف أنه في غياب هذه الشراكة، ربما تضررت مخططاته وجهوده.

في التحليل الأخير ربما أفضت هذه الحرب إلى تلاقي الغربين الأوروبي والأمريكي وتقاطعهما، عند أكثر من نقطة مصلحية سواء، تعيد للخريطة الدولية شيئاً من زمن التوافق بين أطراف الغرب الواحد. فلننتظر ونتأمل.