جذور راسخة في الأرض.. ويد وارفة يتفيّأ العالم ظلها

يد إذا غرست أثمرت، وإذا بنت شيّدت، وإذا علت أعلت، وإذا حصدت مكّنت... حتى غدا ظلها أفقاً يتغير به وجه العالم.

رمضان لم يختلف كثيراً في جوهره، عبر الأجيال، وإن تغيرت بعض الطقوس وتبدلت المظاهر. في بعض البلدان حكاية الفانوس ما زالت تروى؛ ضوؤه الخافت يشق ظلمات الأزقة بين البيوت والعابرين، وصوت الأطفال يمتزج بخيوط المصابيح وبينهما دق الطبول والأناشيد يتعانقان حتى نسمات الفجر الأولى.

هناك في تلك اللحظات، لا تسمع مجرد أصوات وأصداء، بل تسمع أسماءً تنادي بمحبة، وأهلاً تتآلف قلوبهم قبل أن تتآلف كلماتهم، فتشعر بأن المدينة بأكملها بيت واحد، سقفه دعاء، وجدرانه ألفة.

ومن صوت المدن إلى صوت الوطن، كان هناك صوت خالد يجمع الأصوات في نبرة واحدة؛ مائدة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لم تكن مجلساً اعتيادياً لقائد فحسب، بل كانت أيضاً مدرسة في العلم والحكمة والمعرفة، يجتمع فيها الترتيل والتوجيه والقصائد والأشعار، وتروى فيها القصص المأثورة، والمآثر الخالدة، وتغرس فيها قيم العطاء والإخاء والتسامح.

وفي مجلس سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، تمتد الجسور، ويلتقي في رمضان علماء الدين والفكر والعلوم. ويحاضر في مجلسه العامر العباقرة المبرَّزون والمبتكرون المميّزون، في تقليد يجعل المجالس تنبض بالحكمة وعلوم الحياة، وتفيض بثمرات الفكر السديد والرأي الرشيد.

في مجلس سموه تتلاقى المعارف وتتنادى الحِكم، وجوامع الكلِم، وتعرض تجارب الأمم، فينهل الحاضرون من علمٍ راسخ ورؤية سديدة، ويتفيّأون ظلال مدرسةٍ تجمع بين رهافة القلب وحزم القيادة؛ من قائد فذ يتواضع للصغير إكراماً، ويرحم الكبير وفاءً، فتصير المجالس منابر نورٍ ومعرفة يتعانق فيها الدين مع الحكمة، والعلم مع الفكر، وتسمو الأرواح بأنوار الهداية، وبُعد النظر والبصيرة، وصدق وعمق وصواب النظرة لأمور الدنيا والدين.

فمجالس قيادتنا مدارس، في الحكمة وفن القيادة.. في سمو القيم وعلوّ الهمم.. والقيم إذا ترسخت اجتماعياً اشتد عودها وطاب أثرها في المجتمع، واتسعت بها دوائر المودة والتلاحم بين أفراده.. وفي الاجتماع توكيد لليقين.

وفي المشاركة إنماء للمعنى، وفي الصحبة والقدوة الصالحة صفاء للقلوب. وهكذا يمتد الأثر الطيب كما ضوء القمر الذي يشرق ويفيض نوره في كل عام، ولا يزال يفيض إشراقاً، كل يوم، وكل لحظة، في عهد حكيم الأمة، تواصلاً بين نهجٍ أصيل ورؤية متجددة، وبين قيمٍ راسخة ومسيرةٍ تمضي بثباتٍ وعزم.

رمضان هو هو.. قمر واحد، وقلب واحد، وأمة ولله الحمد واحدة، تتجدد فيها معاني الخير كل عام. صنع قادتنا وشعبنا، وآباؤنا وأمهاتنا، ذكريات تفيض عطاءً ونبلاً... وصفاءً ووفاءً باقياً لا يبلى، وسيظل عطاؤه الكريم وخيره العميم كنزاً لا ينفد.. وأثراً باقياً عبر الأجيال.