في إحدى دوائر مانشستر، قلب بريطانيا الصناعي، جرت انتخابات تكميلية بدت محلية في ظاهرها، لكنها حملت دلالات أوسع من حدودها الجغرافية. تنافست أربعة أحزاب: العمال الحاكم، المحافظون المعارضون، وحزبان أصغر هما الإصلاح والخضر. جاءت النتيجة لافتة، فوز واضح لحزب الخضر، وتراجع أربك حزب العمال، وأثار قلق بقية الأحزاب. لم يكن الأمر تبدلاً عابراً في المزاج الانتخابي، بل رسالة سياسية تتجاوز حدود المدينة.
تضم الدائرة كتلة معتبرة من المسلمين والعرب، وهؤلاء تأثروا عاطفياً وأخلاقياً بما جرى في غزة. رأى كثير منهم أن موقف الحكومة العمالية اتسم بالغموض أو التردد، فاختاروا معاقبتها في صندوق الاقتراع، ومنحوا أصواتهم لحزب الخضر الذي اتخذ موقفاً أكثر وضوحاً في انتقاد الحرب في غزة، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، هكذا تحولت غزة من حدث جغرافي بعيد إلى عامل مؤثر في معادلة سياسية داخلية في بلد أوروبي عريق.
الأكثر إثارة كان تصريح زعيمة المحافظين ذات الأصول الأفريقية، حين قالت إن حزب العمال خلق وحشاً فأكله الوحش، في إشارة إلى اعتراف الحكومة العمالية بفلسطين. ثم أضافت جملة أكثر عمقاً: نحن مجتمع متعدد الأعراق، ولسنا مجتمعاً متعدد الثقافات. هنا يكمن جوهر النقاش. فالتعدد العِرقي في هذا التصور مقبول ما دام لا يفضي إلى تعددية ثقافية تتحدى السردية الوطنية السائدة. يمكن للفرد أن يختلف لوناً أو أصلاً، لكن عليه أن يندمج في القالب الثقافي العام.
غير أن الواقع أكثر تعقيداً، فالتعددية الثقافية ليست شعاراً سياسياً يلغى بقرار بل حصيلة تاريخ من الهجرة والعمل، وتكوين أجيال جديدة تحمل هويات مركبة. الجاليات المسلمة في بريطانيا لم تعد طارئة، هي جزء من النسيج الاجتماعي والاقتصادي لكنها في لحظات التوتر الدولي تستدعى بوصفها الآخر الذي لم يندمج كفاية أو الذي يفترض أنه يحمل ولاءً مزدوجاً.
أحداث غزة كشفت بعداً أخلاقياً لدى قطاع من الناخبين البريطانيين، مسلمين وغير مسلمين، رأوا أن ما جرى غير مقبول إنسانياً. في المقابل، عاد إلى السطح خطاب يتحدث عن الإسلاموية وعدم قابليتها للاندماج الثقافي. غير أن هذا التعميم يتجاهل أن داخل كل دين ومذهب تنوعات واسعة، وأن بعض التيارات المتشددة في الغرب ذاته لا تنسجم تماماً مع قيم الليبرالية الحديثة، ومع ذلك لا يطرح وجودها بوصفه تهديداً بنيوياً للمجتمع.
القضية إذاً أعمق من انتخابات تكميلية.. إنها تعبير عن تحولات أوسع في الغرب: صعود خطاب مناهض للهجرة، قلق اقتصادي متزايد، وشعور لدى قطاعات من الطبقة الوسطى بأن العولمة أضعفت يقينها القديم. الغرب الذي شجع الهجرة في عقود سابقة لسد نقص العمالة، يجد نفسه اليوم في مأزق مزدوج يحتاج إلى المهاجرين اقتصادياً، لكنه يخشى كلفتهم الثقافية والسياسية.
وبين الحاجة والخوف يتولد توتر لا يجد حتى الآن صيغة مستقرة لحل إشكاله. في بريطانيا كما في دول أوروبية أخرى يتقاطع العامل الاقتصادي مع الثقافي.. ارتفاع تكاليف المعيشة، ضعف في الخدمات العامة، وتباطؤ النمو، كلها تغذي سردية تقول إن الوافد ينافس الأصيل على موارد محدودة.
ومع كل أزمة خارجية تمس بلداناً ذات امتداد جالياتي في أوروبا، يعود السؤال: هل نحن أمام مجتمع متعدد الأعراق فحسب، أم متعدد الثقافات أيضاً؟، الفرق ليس لغوياً.. المجتمع متعدد الأعراق قد يقبل التنوع الشكلي، لكنه يشترط وحدة ثقافية صارمة.. أما المجتمع متعدد الثقافات، فيعترف بوجود روافد مختلفة ويتحمل كلفة التعايش معها ضمن إطار قانوني جامع.
ما حدث في مانشستر ليس سوى إشارة إلى أن السياسة الغربية باتت أكثر تأثراً بما يجري خارج حدودها، وأن قضايا الشرق الأوسط لم تعد شأناً بعيداً، بل عاملاً يعيد تشكيل التحالفات الداخلية. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سينجح الغرب في التوفيق بين حاجته إلى التنوع وقلقه منه، أم أن التوتر بين العِرق والثقافة سيبقى عنوان مرحلته المقبلة؟