في ظل ما تموج به المنطقة من اضطرابات عاصفة، وحروب إقليمية تمد ظلالها على القريب والبعيد، وحين تعرضت عاصمتنا الغالية أبوظبي لمحاولة استهداف آثمة، رأى العالم مشهداً إماراتياً عميق الدلالة.. مشهد لا تشرحه المعادلات العسكرية بقدر ما تفسره جذور ضاربة في الوعي، وقيم متوارثة تسري في الدم كما تسري الحياة في العروق.
في تلك اللحظة، اجتمعت قلوبنا من السلع إلى الفجيرة، نبضاً واحداً في صدر وطن واحد.. ارتفعت في الداخل قيمة الفزعة التي حملناها عن الأجداد، فاشتد العود، والتحم الصف، وسكنت النفوس على يقين ثابت بأن خلف هذا الوطن قيادة حكيمة، وقوات باسلة، وإرادة تعرف طريقها. رأيت الطمأنينة في العيون، وسمعت الثقة في الكلمات، وشعرت أن «البيت متوحد» حقيقة معاشة لا عبارة تردد.
لقد علمنا الموروث أن الدفاع عن الحمى شرف، وأن الوقوف خلف القائد عهد. كما كان الأجداد يلتفون حول الشيخ في المربعة وتحت ظلال الحصون، التففنا اليوم حول كلمة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، التفاف أبناء حول أب يقود بثبات وبصيرة. هذا الالتفاف امتداد لسلسلة من المواقف التي صاغت شخصيتنا الجماعية، التي تبلورت يوم جائحة كورونا في عبارة سموه: لا تشلّون هم.. فترسخت فينا أن الاتحاد قوة، وأن الكلمة الواحدة حصن.
في عمق موروثنا الإماراتي تكمن فلسفة أخلاقية للحرب، توازن بين البأس والعدل، فالحرب في ثقافتنا فعل مسؤول، تحكمه الشيمة والسنع.. حين يرتفع نداء الصريخ، تنطلق الفزعة حماية للجماعة، دفاعاً عن الكيان، وصوناً للكرامة، لأن الاعتداء على فرد اعتداء على النسيج كله، ورده واجب يحفظ التوازن ويصون الهيبة. هكذا تشكلت روح التضامن التي نعيشها اليوم، وهكذا بقيت الجبهة الداخلية صلبة في وجه كل تهديد وبقي البيت متوحداً.
ويمتد السنع ليشمل أدب المواجهة، فالفروسية في وجدان الإماراتي التزام قبل أن تكون مهارة.. وكذلك فإن احترام الجار، وصون النساء والأطفال وكبار السن، وحفظ الكرامة الإنسانية، هي قيم عريقة رافقت السيف في ميادينه، وقد كانت المجالس تستعيد السكينة بعد العاصفة، وتفتح أبواب الصلح حين تستقر الحقوق في مواضعها، وهذا الإرث يفسر كيف تجمع الإمارات بين جاهزية عالية ورؤية سلام راسخة، وكيف تقف في العالم صوتاً للعقل والحكمة.
وفي قلب الميدان، تشرق قيمة الخوي، فالرفيق امتداد للذات، وحمايته ناموس. القصائد تحفظ حكايات رجال عادوا إلى الخطر ليحملوا رفاقهم، وصانت الذاكرة الشعبية صورة الوفاء في أبهى معانيه، وهذه الروح، كما تلاحظون، تسري اليوم في عقيدتنا، حيث الولاء للمجموعة والالتزام بالواجب عنوانان للكرامة.. التضحية هنا شرف، وحماية الرفيق حماية للوطن.
القلاع والحصون التي ترونها شامخة ونعتز بها جميعاً في كل مناطق الإمارات، تقف حتى اليوم شاهدة على وعي دفاعي إماراتي راسخ، فالمرابيع، والأسوار، وفتحات الرماية، كلها تعبير عن هندسة تخدم الصمود.. داخل تلك الجدران كانت تدار الأزمات وتصان الموارد ويأمن الناس.. توزيعها على السواحل والجبال قراءة استراتيجية لجغرافيا الوطن، وإرادة بقاء مقرونة بالحكمة.
على مستوى الروح، لعبت الرزيفة والندبة دوراً في شحذ الهمم، حيث إن صوت الندبة كان يجمع الصفوف، والرزيف يعلم الانضباط والحركة المتناغمة.. وقد تحولت تلك المهارة القتالية إلى ممارسة ثقافية يومية تغرس الاعتزاز بالشجاعة في وجدان الأجيال، وتبقي الجاهزية حاضرة في الوعي.
لابد أن نذكر ونحن نستذكر تاريخنا مع الحرب، أن خلف السلاح كانت دائماً تحضر القيادة، فالشيخ أب وقاضٍ وقائد يتخذ قراره في مجلس شورى، ويستمع لأهل الرأي وأهل الهمة، والمجلس نفسه، هو غرفة عمليات توزع فيها الأدوار وتحسم الخيارات، ويشعر كل فرد بمسؤوليته عن النتيجة.. هذه الروح مهدت لاتحاد قوي يقوم على الحكمة والقوة معاً.
بالطبع فإن المرأة الإماراتية شكلت أيضاً العمق الوجداني والاستراتيجي في هذه الظروف، حيث إن صوتها الذي يشجع ويدعو بحب يرفع المعنويات، وأن صبرها يحفظ كيان الأسرة، وأن يديها التي ضمدت الجراح وأعدت الزاد.. قد غرست في الأبناء معنى الناموس والشجاعة، وجعلت الدفاع عن الأرض قيمة تتربى في القلب قبل أن تحمل على الكتف.
وكل ذلك سكنته القصيدة النبطية، فصار الشعر ديوان البطولات، فقصائد الحماس حفظت أسماء الرجال، والعتاب شدد على الالتزام، والهجاء ردع المتقاعس. الكلمة سارت جنباً إلى جنب مع السيف، تضبط السلوك وتصوغ الذاكرة.
نعم، فلنعلم أن موروثنا يمجد الصمود، ويحول المحنة إلى درس في الوحدة، لذلك حين تعرضت عاصمتنا الحبيبة لمحاولة مساس على يد الغدر، وقفنا بثبات نابع من تاريخ طويل.. وأن شعارنا أن البيت المتوحد هو خلاصة قرون من الفزعة والشورى والناموس، وأن قوة الإمارات اليوم امتداد لذلك الإرث الذي صاغ إنسانها وحمى أرضها، وجعلها تقف بثقة أمام كل ريح، راسخة الجذور، عالية الهامة، مطمئنة القلب.