كانت الثقافة أقوى من القانون؟

وضعت الأنظمة لتنظيم حياة الأفراد في المجتمعات، ولضمان تحقيق الاستقرار، من خلال الأنظمة تولد الأطر، التي تحدد الحقوق والواجبات وتضبط السلوك المقبول، ما يقلل الفوضى والصراعات.

تسهم الأنظمة الواضحة في تحسين الأداء والكفاءة سواء كانت في المجتمعات أو المؤسسات. وجود الأنظمة الواضحة وتطبيقها بالشكل الصحيح يعزز الشعور بالثقة والأريحية لوجود قواعد تحكم الجميع دون استثناء، وبذلك تصبح الأنظمة أداة لتحقيق الأمن وحماية المصالح العامة والخاصة.

قد تنقسم الأنظمة إلى مكتوبة مثل القوانين الرسمية واللوائح والدساتير، وغير المكتوبة مثل الأعراف والتقاليد والقيم، التي يتفق عليها المجتمع ضمنياً دون تدوين، ولعل من أجمل ما لامست أثره من هذه الأنظمة غير المكتوبة ثقافة قيادة المركبات، التي عايشتها خلال فترة ابتعاثي.

في المنطقة التي كنت أقطنها لم تكن هناك دوارات مرورية أو إشارات ضوئية في المناطق الخدمية، بل تقاطعات ولوحات مرورية. من المفترض عند غياب مثل هذه الإشارات أن يصعب التنسيق بين السائقين أو أن ترتفع نسبة الحوادث المرورية، بسب رعونة البعض أو عدم انتباه الآخر.

خلال سنتين من العيش في هذه المنطقة لم ألحظ حادثاً مرورياً واحداً، بل على العكس كان جميع السائقين في المنطقة يبدي الاحترام والمسؤولية تجاه الآخر من خلال إعطاء أولوية الطريق، وتجنب السرعة المفرطة واستخدام إشارات الانعطاف والتحلي بالحلم. هنا يتجلى أثر الاتفاق الضمني الإيجابي في تعزيز السلوكيات الإيجابية سواء كانت في قيادة المركبات أو بين أفراد الأسرة أو بين العاملين في بيئات العمل أو بين أفراد المجتمع.

الاتفاق الضمني الإيجابي يعزز الانسجام والثقة بين الأفراد دون الحاجة إلى قواعد مكتوبة. الاتفاق الضمني الإيجابي يقوم على الاحترام المتبادل، وفهم التوقعات المشتركة، ويسهل التعاون ويقلل النزاعات. ماذا لو أدركنا أن الاتفاقات الضمنية الإيجابية تقوي العلاقات وتجعل المعاملات أكثر سلاسة؟ ماذا لو أدركنا أن الاتفاق الضمني الإيجابي ثقافة، تبدأ بمسؤولية كل فرد يرفع وعيه أولاً، وينتهي بتحرك الجميع نحو مسؤولية مشتركة ووعي جماعي؟