في إحدى سنوات تدريسه في جامعة برينستون، جاءت مساعدة آينشتاين إليه في المكتب وكانت علائم القلق بادية عليها، ثم قالت: «دكتور، لقد ارتكبت خطأ فادحاً. إن أسئلتك للامتحان النهائي هي نفسها أسئلة العام الماضي»، فما كان من آينشتاين إلا أنه ابتسم وقال: «نعم، الأسئلة نفسها، لكن الإجابات تغيرت».

نواصل في هذه المقالة الخامسة الحديث عن التحولات الكبرى في التعليم العالي في حقبة الابتكار والذكاء الاصطناعي. ولقد تحدثنا في المقالات السابقة عن الابتكار، المبادرات الريادية، الذكاء الفائق، والمهارات وريادة الأعمال.

واليوم نقف أمام لحظة عميقة في تاريخ العلم، لحظة تكشف أن التجديد ليس مرتبطاً بالأدوات أو المناهج فقط، بل بطريقة التفكير وكيفية النظر إلى المسائل المطروحة أمام القائمين على التعليم. وإن رد العالم آينشتاين على قلق مساعدته ليس مجرد تعليق طريف، بل هو يلخص جوهر الابتكار.

إن العالم يتغير، والمعلومات تتغير، والظروف تتغير، لذلك لا يمكن أن نظل نتعلق بالإجابات القديمة للأسئلة ذاتها، ولا يمكن أن نستمر في استخدام الأدوات نفسها وننتظر نتائج مختلفة.

فالأسئلة الكبرى في الحياة وفي التعليم وفي البحث العلمي تبقى ثابتة غالباً، لكن الإجابات هي التي تتبدل مع الزمن، ومع الاكتشافات الجديدة والوسائل الجديدة يمكن لنا أن نرى ما لم نكن نراه من قبل.

إذن ليست المشكلة في الأسئلة القديمة، بل في الأجوبة التي لم تتجدد. والمشكلة ليست في سؤال: ما المعرفة؟ أو ما العلم؟ أو ما دور الجامعة؟ بل في كيف نعيد التفكير في هذه الأسئلة في ضوء عالم متغير. وهكذا فإن الجامعات التي تكرر الإجابات نفسها تتحول إلى مؤسسات أرشيفية، أما الجامعات التي تراجع أجوبتها وتعيد التفكير في أدواتها فهي التي تظل قادرة على الحياة.

لا تزال الجامعات اليوم تواجه الأسئلة نفسها: ما دور المدرس؟ ما دور المناهج؟ ما دور الذكاء الاصطناعي؟ لكن الإجابات... يجب أن تتغير، وفي النظر مجدداً في هذه الأسئلة، لا بد أن نقترب من جوهر التحول الذي يعيشه التعليم اليوم.

نعم ما زلنا نسأل: ما دور المدرس؟ لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد المدرس مصدر المعرفة الوحيد، بل أصبح الموجه، المنسق، المدرب، الميسر. وما زلنا نسأل: ما دور المناهج؟ ولكن المناهج لم تعد كتاباً مغلقاً، بل أصبحت محتوى حياً يتطور باستمرار.

وما زلنا نسأل: ما أثر الذكاء الاصطناعي؟ ولكن الذكاء الاصطناعي لم يعد امتداداً للأدوات التعليمية، بل شريكاً في التفكير والإنتاج والابتكار.

من معالجة هذه الأسئلة يمكننا البدء بالابتكار. ذلك أن الابتكار هنا لا يكمن في تغيير السؤال، بل في الجرأة على تغيير الإجابة، لا سيما أننا حين نكرر الإجابات القديمة، نفقد القدرة على رؤية الفرص الجديدة.

وحين نقبل أن تتغير الإجابة، فإننا نمنح أنفسنا فرصة رؤية العالم من زاوية مختلفة. وذلك ما أشار إليه رد آينشتاين في تلك اللحظة، أن الأمر لا يتعلق بامتحان جامعي، بل بمنهج تفكير كامل.

فالتعليم لم يكن يوماً حشداً للمعلومات داخل الذاكرة، بل تدريب للعقل على التفكير، والجامعات التي تفهم هذا تتحول من أماكن لحفظ المعلومات إلى مراكز لإنتاج المعرفة.

وفي عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، تصبح القدرة على تحديث الإجابات شرطاً أساسياً للقدرة على البقاء. فالذكاء ليس في معرفة الإجابة الصحيحة، بل في معرفة أن إجابة الأمس لم تعد صالحة لهذا اليوم، وإجابة اليوم ربما لا تكون كافية للغد.