إذا كان بوسعنا استخلاص المعنى الرئيس والمهم لوجود «متحف المستقبل» في دبي، من خلال حديث رئيس المتحف، معالي محمد بن عبد الله القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء، مؤخراً.
والذي جاء بمناسبة وصول عدد زوار المتحف إلى 5 ملايين زائر، منذ افتتاحه في 22 فبراير 2022، سيكون في الكلمات التالية: إن متحف المستقبل نجح في أن يجمع أبرز العقول القادرة على طرح الأسئلة الصحيحة، من أجل صياغة حلول عملية للتحديات المقبلة.
هذه الكلمات المعدودة، فيها شقان مهمان لأي قصة نجاح في العالم. وأجد أن هذين الشقين يعبران بشكل خاص عن نهج حكومة دولة الإمارات التنموي وفلسفة عملها.
الشق الأول: يتعلق بطرح الأسئلة الصحيحة أو السؤال الصحيح، أي تلك الأسئلة التي دائماً ما تكون الشرارة الأولى للإلهام الفكري، والتي تضيف إلى المعرفة البشرية، بحيث أن تتحدى تلك الأسئلة النماذج الفكرية أو التنموية السائدة، وإلا لن تكون هناك إضافة جديدة تُبنى عليها.
بإسقاط فهمنا من كلمات معالي محمد القرقاوي، سنجد أن دولة الإمارات تأسست برؤية مستقبلية، انطلقت من خلال الجولة التي قام بها مؤسس الاتحاد، المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلى عدد من دول العالم، وبعد أن عاد من تلك الجولة، أتخيل السؤال الصحيح في تلك المرحلة كان، كيف يمكن أن نجعل من حكومة دولة الإمارات أيقونة لباقي حكومات العالم؟
والإجابة وقتها، كما يعرفها الجميع، اقتصرت بالرهان في بناء الإنسان، وتسخير الثروة الإماراتية في تعليمه بالشكل الصحيح، باعتبار أنها الأداة المثالية لنقل مجتمع الإمارات من حالة إلى أخرى، تنافس باقي المجتمعات العالمية، وبالقياس، نجدها رؤية أكدتها الحالة التي وصلت إليها دولة الإمارات في المؤشرات التنموية العالمية، كان آخرها حصول الإمارات على أفضل حكومة في العالم، وفق مؤشرات عام 2025.
أما الشق الثاني في تلك الكلمات المعبرة: الفائدة المرجوة من تلك الأسئلة، والفائدة هنا ليست مرتبطة بخدمة الإنسان في أي مكان في العالم، من منطلق الرسالة العالمية لدولة الإمارات، وهي خدمة الإنسانية فقط، وإنما النجاح الحقيقي يكمن في استقراء المستقبل بمدياته المختلفة (المدى القصير، والمدى المتوسط، والمدى البعيد)، وبالتالي، تحديد الأولويات.
وهذا كله يحتاج إلى هذا السؤال الصحيح، ليساعد في إيجاد حلول محتملة للمستقبل، التي تشغل تفكير عقول العلماء والباحثين الذين يستضيفهم «متحف المستقبل».
وقد تكون الأسئلة الصحيحة بسيطة في شكلها ومفرداتها، أو الأصل تكون كذلك، ولكنها في مغزاها وأهدافها تتعدى الواقع المعاش، أو الزمن الحاضر، كنتيجة طبيعية لحركة الزمن الذي لا يعرف التوقف أو الثبات.
العالم ينظر إلى دولة الإمارات بشكل مختلف، فهي لم تعد من دول العالم الثالث، ولا دولة تعتمد على النفط، رغم أنها دولة نفطية، بل نسبة دخل النفط في الميزانية الحكومة الاتحادية لا يتعدى 30 %، لأنها عملت على استشراف المستقبل، من توفير البيئة المناسبة للمفكرين والنوابغ، ليطرحوا أسئلتهم.
ويتباحثون في الإجابات من خلال المناقشات المعرفية التي تحسن من آليات خدمة الإنسان، باعتباره الثروة الحقيقية للأمم، لهذا، حديث الإمارات اليوم عن الاستثمارات في المجالات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد، لأنها من أدوات القوة الجديدة.
الدور الذي يقوم به متحف المستقبل في دبي، بأنه منصة للحوار العالمي، الذي يجتمع فيه خبراء المستقبل من أجل العمل التشاركي، مثل «منتدى دبي للمستقبل»، من أجل صناعة المستقبل الإنساني، وعليه، فإن الإشارة التي يمكن فهمها من هذا الدور، هو:
الربط الفكري بين الماضي، وهو الجانب المعني به المتاحف تقليدياً، وهو الأساس لكل معرفة نراها في الحاضر، مع الفكر المستقبلي، من خلال استشراف التحديات التي يمكن أن تواجهها المجتمعات الإنسانية مستقبلاً، باستخدام الأسئلة الصحيحة، على أن تكون الإجابات إيجاد مسار تنموي يكون متوافقاً مع ظروف المستقبل، بما يسهم في تقليل حجم تكلفة عدم الاستعداد له.
يبقى أن مخاطبة المستقبل والتركيز عليه، ليس نكراناً أو تقليلاً من أهمية التاريخ وماضي الشعوب في كل العالم، وإنما هو سلسلة تراكمية من المعرفة لإثراء الحياة الإنسانية والتفكير بالواقع، والابتعاد عن المفاجآت غير المضمونة العواقب. فالقاعدة المعرفية أن حركة التاريخ متغيرة، وليست ثابتة، وبالتالي، علينا إدراك ذلك.