قد لا توجد مناسبة يمكن أن تستعيد فيها المجتمعات هويتها الثقافية وعاداتها وتقاليدها بالصورة نفسها التي كانت عليها في الزمن القريب والبعيد والقيم نفسها التي غُرست في قلوب وعقول أبنائها أكثر من شهر رمضان.
الذي تتجلى فيه الهويات الثقافية للمجتمعات وتخرج فيه كل القيم النبيلة التي حافظت على تماسك المجتمعات ووحدتها.
فتجد في مصر مثلاً يتسابق المسيحيون والمسلمون على الطرقات لإفطار الصائمين المسافرين، وتجد في مجتمعات أخرى الإفطار الجماعي الذي يجمع أبناء الحي الواحد.
وتجد موائد الرحمن تعمر الشوارع في الأحياء التي يمر بها المسافر وابن السبيل والمحتاج.
في مجتمعنا الإماراتي لدينا ميراث ثقافي غني وعريق وأصيل تتوزع فيه العادات والتقاليد والقيم على مختلف السلوكيات البشرية خلال شهر رمضان فمن تبادل الأطباق قبل الفطور بين البيوت وللجيران، حيث كنا نرى الصغار يحملون أطباقاً ويسيرون في كل اتجاه، ولا يعود الطبق فارغاً، فكما ذهب باللذيذ والجديد، يعود بالألذ والأجدد، وتجد اجتماع الأسر والأصدقاء والأهل بعد صلاة التراويح على «الفوالة» التي كانت فرصة للتواصل والحوار وتذويب جليد الجمود في العلاقات، الذي تسببت فيه الانشغالات والسفر والرحلات.
يأتي شهر رمضان ليعيد اللحمة بين الأهل والجيران، ويعيد التواصل والتراحم وإحياء الذكريات، شهر رمضان فرصة لأن نحيي فيها كل ما كنا نسعد به صغاراً ليستمتع به أولادنا، فلم تعد الأسرة الممتدة تعيش في بيت واحد كما كنا نعيش، بل أصبحت الأسر الصغيرة موزعة في مختلف المدن، حسب توفر الوظائف وفرص العمل، لذلك، فأبناؤنا لم يعيشوا في أسر ممتدة فيها الجد والجدة والأعمام والعمات والأخوال والخالات، فأصبحوا يعيشون أحياناً في مدن أخرى ولا يلتقون بالأسرة الكبيرة إلا كل نهاية أسبوع، لذلك فإن شهر رمضان هو الفرصة التي ينبغي أن نستغلها قبل أن تفوت لتجديد العلاقة بثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا، وجعل أبنائنا يعيشونها ولا يسمعون عنها فقط، وإنما يمارسونها ويستمتعون بها، صحيح أن الحياة مشاغل، وأن البشر يتنافسون لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم، وأن فرص العمل في دولتنا التي تعيش اقتصاداً مزدهراً يستقطب كل الكفاءات.
هذا النجاح يستوجب علينا أن نرسخه بنجاح اجتماعي يحافظ على هويتنا الثقافية، ويعيد إحياءها في عقول وقلوب أبنائنا لتستمر ثقافتنا حية إلى المئوية وما بعدها.
رمضان فرصة لإحياء العادات والتقاليد الموروثة وإعادة ترسيخها، وكل عام وأنتم بخير.