لكل كاتب عالمان، عالم النصوص المنشورة، وعالم تسكنه «بنات الظل»، وهي تلك الأفكار التي تولد في العقل، ثم تُنفى قسراً إلى العتمة، وهي ليست بالضرورة أفكاراً فاشلة أو غير ناضجة، بل أفكار نخشاها، قد تكون شديدة الصراحة، أو متناقضة مع صورتنا العامة، أو ببساطة.. شديدة الغرابة، إنها الأصوات التي نهمس بها لأنفسنا، وما إن تكتمل في أذهاننا، حتى يصدر عليها رقيبنا الداخلي حكمه بالإقصاء قبل أن تصل إلى الورق..!
وإذا كان هذا هو العالم الظاهر، فإن «عالم الظل» الذي يحتويهن ليس مجرد أرشيف منسي، بل هو مسرح حي، فهذه الأفكار لا تموت، بل تتحول إلى أطياف تطارد نصوصنا المنشورة، يظهر أثرها في توتر غير مبرر بفقرة ما، أو كاستعارة تبدو في غير محلها، أو كصمت مريب حول موضوع معين، إنه «اللاوعي» الخاص بالنص، ما لم يُقل، ولكنه حاضر بقوة، ويشكل ما قيل، وهذا الصمت ليس غياباً، بل فراغ ممتلئ بالمعاني المؤجلة، والكلمات التي لم تجد شجاعة الظهور بعد..!
ومن تجربتي الشخصية في الكتابة، أجد أن الكثير من «بنات الظل» الخاصات بي يتنفسن بمنطق سريالي، وهي تلك المشاهد التي قد يراها الآخرون حلماً، بينما أراها الحقيقة في صورتها الأكثر كثافة، ولذلك، في آخر مجموعة قصصية لي، اتخذت قراراً بالخروج عن المألوف، في تجربة كانت أشبه بتنقيب أركيولوجي في طبقات الوعي، لقد كانت محاولة لانتشال تلك الشذرات الغرائبية، التي طالما تجاهلتها باعتبارها خروجاً عن قوانين البناء المنطقي للكتابة، وحين تجلت على الورق، لم تكن النتيجة مجرد مغامرة أسلوبية، بل كانت كشفاً أعمق لجوهر الكتابة، وبصمة الكاتب التي لا تخبو..!
ولعل هذا التحول ليس تغييراً في الأسلوب فحسب، بل هو إعادة تعريف للعقد المبرم بين الكاتب ونصه، ففي كل مرة نختار فيها تجاهل إحدى «بنات الظل»، نعزز الرقيب الداخلي الذي يهمس بأن الأمان يكمن في التكرار والالتزام برتابة القواعد، وهذا الرقيب لا يخشى الفشل، بقدر ما يخشى الاختلاف، لأنه يدرك أن كل فكرة جديدة تحمل معها خطر تغيير «الصورة العامة» التي بنيناها بعناية، لكن الكاتب الذي يستجيب لهذا الخوف بشكل دائم، ينتهي به الأمر إلى كتابة النص نفسه مراراً وتكراراً، دون قيمة جديدة..!
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فبينما يسعى الكثيرون لبناء هوية كتابية عبر الولاء الصارم لتيار أو مدرسة، فإن الهوية الأسلوبية الحقيقية، هي مسار فريد يشقه الكاتب بمنطق لا يشبه أحداً سواه، وهي التي تمنح كتاباتنا تلك النبرة التي لا يمكن تقليدها، وهذا المسار لا يُكتشف بالسير في الطرق المُعبدة، أو ما جرى عليه الإلفُ والعادة، بل بالجرأة على إحياء تلك الأفكار الخام، التي قد تبدو جامحة أو غير منطقية، لكنها تصنع الحبكة الأكثر تميزاً، فالأصالة لا تولد من استنساخ النماذج الناجحة، بل من الإنصات العميق لتلك الأفكار التي نصنفها بصرامة على أنها «غير صالحة للنشر»، وهي دعوة للكاتب كي يعيد رسم خريطته الذهنية، ويفسح المجال لفكرة جديدة لم يسبقه إليها أحد من قبل..!
وهكذا يظل الحوار مع «بنات الظل»، هو الرهان النقدي الأكثر أهمية في تجربة كل كاتب يحاول ابتكار نهج إبداعي مغاير، ففي تلك اللحظة التي يقرر فيها أن يكتب ما كان يتحاشاه، لا ينتصر على رقيبه الداخلي فحسب، بل يعيد تعريف حدود نصه، ويحول غياب الأفكار المُستترة إلى حضور باذخ، ويمنح المُهمشَ في وعيه حق الوجود في متن النص، لأن الكتابة العظيمة في جوهرها، ليست نسيجاً لغوياً مُترفاً، بل إيمان عميق بفكرة خلّاقة لا تُنسى..!