خيرة تجارب القياديين

ما أكثر القياديين الذين خسرناهم فور استقالتهم أو تقاعدهم من دون استفادة حقيقية لخبراتهم من قبل الصف الثاني والمحيطين بهم. هذه المعضلة انتبه إليها الباحثان الشهيران في الإدارة «جيمس كوزيس» وزميله و«بيري بوسنر».

ما فعله العالم كوزيس وزميله باختصار أنه انطلق إلى نحو 1300 مدير في الإدارة الوسطى والعليا في جهات متعددة في القطاع الخاص والعام. وطلب منهم ببساطة أن يصفوا «أفضل تجربة شخصية» مروا بها كقياديين في العمل. هذه الإجابات تم تحليل محتواها بطريقة منهجية علمية رصينة وهو ما تمخض عنه نموذج شهير في القيادة.

ويمكن لأي شخص احتك بقياديين أو مسؤوليه في العمل أو في أثناء تجارته أن يدرك أهمية تلك العناصر الخمسة التي اعتبرت «تطبيقات أساسية» تمكن القياديين من إنجاز ما يفوق التوقعات. وهي: النموذج القيمي، وإلهام الآخرين برؤية ثاقبة، وتحدي سير العمل، ومنح مرؤوسيهم حرية التصرف، ومراعاة الجانب الوجداني.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا النموذج ليس مرتبطاً «بشخصية» المسؤول بل «بالتطبيقات» على أرض الواقع practices. وفي مقدمة هذه التطبيقات التي تجعل القائد فعالاً أن يحمل «نموذجاً» قيمياً. بمعنى أن يكون في ذهنه صورة واضحة لقيم شخصية يحملها وفلسفة خاصة به ثم ينقلها لمن حوله. وإذا وعد لم يخلف والأهم أن يصرح بكل هذه القيم أو «نموذجه» للآخرين لعلهم يسيرون على خطاه.

ويصعب تخيل قائد مؤثر لا يحمل رؤية ملهمة ومثيرة للاهتمام يمكن أن يغير بها سلوك من حوله. ويكون ذلك بمقدرته على تصوير رؤيته أو تجسيد خطواتها على أرض الواقع. فهم يرون القائد يأخذهم بالفعل نحو تلك الوجهة أو النتيجة المرجوة. ويتضح ذلك جلياً من قراراته ومواقفه. وبطبيعة الحال فإن ذلك يتطلب أن يصغي القائد لآمال من حوله وكيف يمكنه أن يحول شيئاً من ذلك إلى واقع. باختصار، القياديون الذين يحملون رؤية ملهمة هم من يستطيعون تخطي الوضع الراهن لتحقيق ما يصبو إليه الناس.

وهناك قضية في غاية الأهمية كشفها الباحثون في القيادات المميزة، وهي مقدرتهم على «تحدي سير العمل» أو الوضع الراهن. وهي باختصار تعني من لديه الرغبة في تغيير الوضع الحالي حتى لو كان يكتنف المستقبل أو الخطوة التالية شيء من المجهول بحكم طبيعة التغيير.

ولذا نجدهم يحرصون على الابتكار، والتطوير، والنمو. وتبين أن هؤلاء القادة المثاليين مثل الرواد في مجال معين يتطلعون دوماً إلى خوض غمار تجارب جديدة حتى وإن كانت مشوبة بشيء من المخاطر. فقد تبين أن المخاطر بالنسبة لهم خطوة إلى الأمام يتعلمون منها ثم يواصلون المسير.

واتضح أيضاً أن مما يجعل القياديين يفوقون التوقعات في أدائهم قيامهم بمنح الآخرين «حرية التصرف»، فهم يميلون بطبيعة الحال نحو فرق العمل، وبناء الثقة، والترويج الدائم لروح التعاون في العمل. وهم منصتون جيدون أيضاً لشتى الآراء، على اعتبار أنهم يرون في تعدد الآراء فائدة.

ولوحظ أنهم أيضاً يعاملون الآخرين باحترام وكل ما من شأنه حفظ كرامتهم. وبعبارة أخرى فهم في الواقع يوجدون بيئة صحية يشعر فيها الناس بأنهم مقدرون وذوو قيمة مضافة للمجتمع.

وهناك أمر يغفل عنه البعض، وهو ضرورة مراعاة الجانب الوجداني، مثل مكافأة الإنجازات، وهو ما يتماشى مع الفطرة البشرية التي تتطلع عادة إلى التقدير ومزيد من التشجيع. وهم يحتفلون بإنجازات مرؤوسهم بطريقة عفوية وصادقة وهو ما يولد روحاً أو هوية مشتركة.

ولحسن الحظ فإن ما سبق ليس كلاماً إنشائياً بل هو في الواقع يمكن قياسه في القياديين بشتى مراكزهم الوظيفية، وذلك من خلال استبانة LPI المكونة من 30 سؤالاً علمياً تسلط نتائجها الضوء على مدى توافر هذه التطبيقات العملية فينا. والأهم من ذلك أنها يمكن أن تقاس من قبل الآخرين، حيث إن آراءهم تجاهنا أكثر موضوعية من حكمنا على أنفسنا.

‏ما جاء به الباحثان في نظريتهما الواقعية يخبر المسؤولين بما يتعين عليهم فعله للتمتع بالجدارات القيادية المناسبة. ولديهما كتاب شهير اسمه «تحدي القيادة» ذكرا فيه مزيداً من التفاصيل الممتعة عن خيرة تجارب القياديين.