قد تمر موجة دون أن يكون البحر في حال عاصفة، وقد يعلو الضجيج دون أن يكون هناك حدث حقيقي. في بعض الفضاءات الرقمية، يكفي تكرار جملة أو تدوير مزاعم حتى يتشكل انطباع بأن أمراً جللاً يجري؛ ضجيج يتكاثر، لا لأنه يحمل وزناً حقيقياً، بل لأنه يعاد بثه ويقدم بلا سياق، وتغذيه حسابات لا تبحث عن فهم بقدر ما تبحث عن تفاهة يتعلق بها، أو فتنة يروج لها.
تتحول وسائل التواصل الاجتماعي، في كثير من الأحيان، من منصة تعبير إلى ساحة تضخيم. لا يقاس فيها الحدث بعمقه أو بواقعه، بل بسرعة انتشاره وحدة لغته. جملة افتراضية أو حساب بلا هوية قد يصبح محور حملة كاملة، يكتب حوله الكثير، ويستثمر فيه الانفعال، وكأن الوقائع تخلق بالكتابة عنها لا بحدوثها.
ما يصنع هنا ليس حدثاً بقدر ما هو إيهام بحدث، وشتان بين الأمرين؛ فالحدث الحقيقي يفرض نفسه خارج المنصات، ويترك أثره في الواقع، ويقاوم النسيان. أما الإيهام، فيعيش على التكرار، ويتغذى على الاستقطاب، ويخبو سريعاً مع انتقال الاهتمام إلى ضجيج آخر.
هذا النوع من التضخيم لا يحتاج وصفاً جديداً؛ فقد استقر له في العربية تعبير «زوبعة في فنجان»، اضطراب داخل إناء ضيق، لا يتجاوز أثرها مهما بدا الصخب كثيفاً.
المفارقة أن كثيراً من هذه الحملات تدار وكأنها تصنع تاريخاً، بينما هي في حقيقتها تكتب زيفاً، فالتاريخ لا يكتب بحسابات مؤقتة، ولا يوثق بحملات تشويه عابرة، ولا يصنعه تهويل يستمد قوته من الانفعال لا من الوقائع. الضجيج مهما علا، ليس معياراً للحقيقة ولا مقياساً لثقل الحدث.
الأثر الأعمق لهذه الزوابع لا يتجه نحو من توجه إليهم، بقدر ما يصيب وعي المتلقي؛ فيندفع إلى استعجال الحكم، والخلط بين المهم والهامشي، وبين الحقيقة والتشهير الموجه، لا لأن الواقع معقد، بل لأن الإناء ضيق، والصوت داخله مرتد ومضخم.
ومع ذلك تبقى المحصلة واحدة، فهذه الحملات مهما اشتد صخبها، لا تعيش إلا داخل دائرتها الضيقة. تتغذى على التكرار، وتستمد حضورها من الصدى، لكنها حين تدفع خارج هذا الإطار، إلى فضاءات أوسع، تبدأ في التلاشي.
هناك، حيث تقاس الأشياء بأثرها لا بحدة خطابها، يتكشف الفارق بين ما يملك وزناً حقيقاً، وما لا يتجاوز كونه ارتداداً عابراً. فالحقيقة لا تقال من فراغ، والزيف لا يأتي إلا من فراغ.