الشهور الأخيرة التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023 قد مهدت الطرق على مختلف المستويات لتغيير صورة الشرق الأوسط نحو توازنات جديدة تعيد رسم خرائطه سياسياً وفكرياً نحو حالة استقرار محكومة بضوابط جديدة تعيد وضعه في الخريطة العالمية بأطر جديدة.
ورغم أن العراق يقع في قلب هذه المنطقة التي تشهد التغيير الكبير، مدعوماً بإرادات إقليمية ودولية، فإن سياسييه - أو أكثر دقة - القوى التي تتسيد الواجهات الإعلامية، لا تزال تعيش في ماضٍ، بعيدة عن إدراك أبعاد الواقع الجديد الذي ترفضه، بل الأحرى تتجاهله.
وعلى الرغم من أن التغيير الذي يجري، هو إرادة أمريكية، فإن الواقع هو شرق أوسط جديد ديمقراطي خالٍ من السلاح، ودول حرة تتخذ قراراتها بمعزل عن نفوذ هذه الإرادة أو تلك، ليست إملاءات خارجية قدر ما هي إرادات دولية وإقليمية، ليست بمعزل عن إرادة شعوب المنطقة نفسها، وفي مقدمها الشعبان اللبناني والعراقي، اللذان صادرت المليشيات فيهما قرار دولتيهما وتسببت، ليس في خرابهما، بل في خراب القيم التي طالما حمت سياستيهما وحمت بنيتيهما من التصدع.
في سياق استكمال المتطلبات الدستورية لمرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية لمجلس نواب جديد في العراق، رشح الإطار التنسيقي نوري المالكي رئيساً للوزارة المقبلة كحق في أطر المحاصصة التي أقرها النظام تعارفاً وليس دستورياً في عملية التغيير عام 2003.
وقد سبق للمالكي أن ترأس الوزارة في فترتين زمنيتين، الأولى عام 2004 والثانية عام 2010، وترك في تلك السنوات الثماني، خاصة في الفترة الثانية، ذكريات مؤلمة لا سبيل إلى تجاهلها في الوسط السياسي العراقي، لعمق تأثيرها في الحياة بمناطق معينة من العراق، لم تخلُ من ربط طائفي أصاب ولايته.
لا نكشف سراً حين نقول إن ترشيح المالكي كان مفاجئاً لأغلب المتابعين للعملية السياسية، فقد كان موجوداً في المشهد السياسي منذ تنحيه عام 2014، إلا أن هذا الوجود لم يكن قوياً للدرجة التي تسمح باحتمال عودته إلى المركز الأبرز في العملية السياسية، وهي رئاسة الوزراء.
جوهر الصراع في العراق يمكن تلخيصه بأنه صراع بين التراث والحداثة على أسس سياسية، تنافر في الإحداثيات وتنافر في النتائج، وإن بدا المشهد ظاهرياً بغير هذه الصورة.
الوضع في العراق شديد التفكك والتعقيد على المستويين السياسي والاقتصادي في أطر إقليمية يجري إعادة صياغتها تحت مسمى شرق أوسط جديد، فعلى المحور السياسي، هناك تجذر أصبح عميقاً في التمحور حول الهوية الثانوية، الطائفية والعرقية تحت مسمى المكونات، من جهة، وهناك شرخ يتعمق هو الآخر باستمرار في كيان كل من هذه المكونات.
فقد أصبح يؤخذ بالأعراف في رسم معالم الحكم بدلاً مما تفرزه الانتخابات النيابية، أما على المحور الاقتصادي، فالعراق يعاني متاعب مالية ليست بالهينة، وهو غارق في الديون داخلياً وخارجياً، في حين يزداد انخفاض سعر النفط عالمياً، والمتوقع في ضوء هذا أن يزداد انخفاضاً بعد بدء فنزويلا تصدير نفطها بعد زوال المقاطعة وربما عودة روسيا إلى الأسواق العالمية مع تكاثف الجهود لإنهاء الحرب الأوكرانية الروسية.
من ناحية ثالثة، تبرز ندرة المياه قضية خطيرة تستوجب اتخاذ إجراءات سيادية تتعلق بثروتها الرئيسية التي تعتاش عليها وهي النفط لجعله سلعة للتبادل مع المياه في تجارة لا تضمن أمناً مائياً على مدى طويل.
ثمة حالة أخرى يضعها بعض المحللين السياسيين ضمن المخاطر التي تهدد مستوى الحياة، وهي الزيادة السكانية الكبيرة، حيث ارتفع عدد سكان العراق بشكل مقلق إلى ما يزيد على الخامسة والأربعين مليون نسمة.
إن الواقع الذي يرزح تحته العراق يزدحم ليس بالقليل من الأعباء الثقيلة، كما أشرنا، بل أعباء تتطلب مقاربات حصيفة تأخذ هذا الواقع بالأهمية التي يشغلها، ما يسمح للعراق أن يتلقى الدعم والتعاطف إقليمياً ودولياً، وليس انتهاج سياسات تفوح منها رائحة الاستفزاز والتحدي.
كما أنه من الضروري في هذا السياق إعادة النظر بفلسفة ربط المستقبل بمفاهيم الماضي في معالجة الرؤى التي تتبناها الدولة، كما هي الحال على مدى العقود الثلاثة المنصرمة بديلاً عن التقارب الفكري والحضاري الذي يفرض نفسه على المتغيرات العالمية.