جيل يسلم إلى جيل

في الفترات الفاصلة بين جيل يودع المشهد، وجيل يستلم الراية، لا يكون الغياب مجرد خبر عابر، ولكنه علامة فارقة في ذاكرة المهنة، وإشارة إلى أن الزمن، مهما بدا بطيئاً، لا يتوقف عن ترتيب أوراقه. هكذا بدت الساحة الإعلامية العربية في الأشهر القليلة الماضية وهي تفقد عدداً من رموزها الذين شكلوا، كل بطريقته، ملامح مرحلة التأسيس في أكثر من مكان.

رحل الدكتور رياض نعسان آغا في شهر ديسمبر من العام الماضي، ولحق به الدكتور محمد القدسي منتصف شهر يناير من هذا العام، ثم جاء خبر رحيل الدكتور أحمد عبدالملك في الشهر نفسه ليكتمل مشهد الفقد، لا بوصفه خسارة أسماء، ولكن خسارة خبرات وتجارب ومواقف تشكلت عبر عقود من العمل الصعب، في زمن لم تكن فيه المهنة ميسرة، ولا الطريق مفروشاً بالمنصات والمواقع الإلكترونية والانتشار السريع.

ما يجمع هؤلاء الراحلين، إلى جانب القيمة المهنية والإنسانية، أنهم ينتمون إلى جيل سبق إلى المهنة، وفتح الأبواب الأولى، ووضع القواعد الأساسية للعمل الإعلامي في مرحلة كانت فيها المؤسسات تبنى من الصفر.

لم يكونوا بالنسبة لي أسماءً تقرأ في الصحف والمجلات، أو وجوهاً تشاهد على الشاشات. كانت بيننا صداقة وزمالة ورفقة عمل امتدت سنوات، رغم فارق السن والتجربة بيني وبينهم.

ربطتني بهم في مراحل مختلفة من مسيرتي الإعلامية أواصر كان عنوانها المشترك هو الشغف، اقتربت منهم، واكتشفت أن الإعلام الحقيقي لا يختصر في الموهبة وحدها، ولكنه يكمن في الأخلاق المهنية، وفي الالتزام، وفي الإيمان بدور الكلمة في خدمة المجتمع، لا في استعراض الذات. واستمرت العلاقة حتى بعد مغادرة كل واحد منا موقع عمله، لأن الشغف هو ما كان يجمعنا.

جيل كان يؤمن أن الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة، ومسؤولية قبل أن يكون وظيفة. لم تكن حسابات الشهرة، ولا تصدر المنصات جزءاً من معادلة العمل. كان الرهان على المصداقية، وعلى بناء ثقة طويلة الأمد مع القارئ والمستمع والمشاهد. وربما لهذا السبب، بقيت أسماؤهم حاضرة، حتى بعد أن غادروا مواقع عملهم، لأن الأثر لا يقاس بالوظيفة، ولكن بعمق البصمة.

كان لهذا الجيل دور محوري في مرحلة التأسيس. أسهموا في بناء المؤسسات، وتدريب الكوادر، وترسيخ تقاليد العمل الإعلامي، في وقت كانت الأوطان فيه تشق طريقها نحو المستقبل. لم يكونوا مجرد موظفين عابرين، كانوا شركاء في مشروع وطني، يدركون أن الإعلام جزء من البناء، لا هامشاً على متنه.

رحيلهم المتتالي يضعنا أمام سؤال صريح: ماذا يعني أن يتغير الجيل؟ التغيير هنا ليس بيولوجياً فقط، ولكنه تغيير معرفي وأخلاقي أيضاً، فالأجيال لا تقاس بالأعمار، ولكن بما تحمله من قيم، وما تتركه من أثر، وما تورثه لمن بعدها.

اليوم، ونحن نعيش زمن التحولات الرقمية المتسارعة، تبدو الحاجة إلى استحضار دروس ذلك الجيل أكثر إلحاحاً، ليس بوصفها حنيناً إلى الماضي، وإنما باعتبارها بوصلة للمستقبل. التكنولوجيا تتغير، والأدوات تتبدل، لكن جوهر المهنة يبقى ثابتاً، جوهرها هو الصدق والدقة والمسؤولية.

«حفزْتَني، أنت وصديقنا خالد الزدجالي، لوضع سيرتي الإعلامية بعنوان: 55 عاماً مع الإعلام». هذا ما كتبه لي الدكتور أحمد عبد الملك منتصف شهر مايو من العام الماضي. كنت أحثه على كتابة تجربته في الإعلام بعد أن أهديته كتابي «وما زال الشغف.. حياة بين الإعلام والثقافة».

يومها وضع صورة الكتاب والإهداء في حسابه على منصة (X) وعلق: «أهداني الأخ الإعلامي علي عبيد، رفيق الدرب الإعلامي في التلفزيون والصحافة، كتابه الملهم.. الذي يحكي مشواره الإعلامي لخمسين عاماً.. نعم وما زال الشغف.. ويستمر. مبارك الإصدار يا صديقي».

في شهر ديسمبر كتب لي يخبرني أنه أنهى كتابه، وقد يتم الدفع به إلى المطبعة في شهر يناير 2026م. في 19 يناير جاء خبر نعيه. أتمنى أن تنفذ أسرته الكريمة رغبته، إن لم يكن قد فعل.

ليس من العدل أن نختزل الحديث عن الراحلين في عبارات الرثاء وحدها. الأجدى أن نقرأ تجاربهم، ونستعيد مواقفهم. إنها لحظة تأمل بقدر ما هي لحظة حزن. جيل يسلم إلى جيل، ليس في مشهد احتفالي، ولكن في صمت الفقد. ووسط الصمت الذي يفرضه الرحيل، علينا أن نكون أوفياء لتلك البدايات، وللقامات الملهمة التي تشكلت منها رموزها.